عدت إلى صخرة اللقاء قبل المساء، وانتظرت حلول الظلام. كان عقلي يسبح جاهدًا في دوامة الاختيار الغامض الذي أواجهه، بينما عيناي تبحثان بلهفة بعيدًا، بين موجات البحر المعتمة الكسلى عن رفيقتي. ورنت في أذني ضحكة خافتة عابثة، وضحك قلبي وأنا ألتفت لأرى حوريتي جالسة بجانبي وهي تنفض قطرات الماء عن جسدها، وسألتني متمادية في عبثها:
ـ عم تبحث؟ هل مللتني، وبدأت تحوم بعينيك وراء حورية أخرى؟
أجبتها، ولمسات من الاعتذار تتسلل داخل عيني:
ـ يبدو أنني كنت شاردًا مع أفكاري وأنا أنتظرك، فلم أنتبه لمجيئك.
رنت ضحكتها الطفولية عاليًا، فتغلغل رنينها مرتعشًا في صدري، وقالت مهددة مداعبة:
ـ إذا رأيتك شاردًا في المرة القادمة فسوف أسحبك معي إلى البحر كما أنت، فتصبح أول كائن بحري لا يزال في صورة البشر.
تحدثنا تلك الليلة طويلًا، واعترفت لها بما دار في ذهني بعد مغادرتها البارحة.. أحزنها ترددي وحيرتي، لكنها اعترفت بأن الاختيار أمر بالغ الصعوبة حقًا. فالقرار يحمل مصيري، ومصيرها معي، ولا بد من اتخاذه بحكمة واقتناع، ولكن بدون إبطاء أو استرسال في التردد، أو استسلام للحيرة، لأن الوقت لا يمهل، والعمر لا ينتظر. واتفقنا أخيرًا على أن التجربة هي أفضل وسيلة للوصول إلى الاختيار الصائب. يجب أن أعيش التجربة كاملة، ولكي أعيشها يجب أن أخوض في أدق التفاصيل الحياتية لكل أنواع الكائنات البحرية، وهكذا علي أن أتحول من كائن إلى آخر خلال فترات زمنية متعاقبة، أمارس خلالها حياة كل كائن بحري، أعاني ما يعانيه، أتلذذ بما يمتعه، انفعل بما يثيره، أركن إلى ما يريحه. وبعد أن تكتمل التجربة يأتي الاختيار النهائي، الذي لا يدع مجالًا للندم بعده.
عندما ودعتني في الصباح كنا قد انتهينا من بحث تفاصيل التجربة التي سوف أُخضع نفسي لها. وخلال النهار رسمت خطتي. وفي المساء التقينا، وبدأت التجربة...