لم أشعر بمرور الوقت إلا عندما بدأت أشعة شمس الظهيرة تلسع رأسي. نعم، يجب أن أصل إلى قرار حاسم مهما يكن، فأنا كائن ناضج التفكير، واسع الأفق، قوي الإرادة.. كما أنني قادر على محاكمة الأمور محاكمة معقولة. ولم أكن خائفًا من تحولي القريب إلى كائن بحري، فكل منا سيصبح يومًا ما كائنًا بحريًا بصورة ما.. وهذا قدرنا، شئنا أم أبينا، كما أنني قد بدأت أشعر فعلًا بمشاعر الكائنات البحرية قبل أن أتحول كليًا إلى واحد منها، صحيح أن مشاعري تلك لا تزال تنقصها الهوية، فهي لا تنتمي إلى نوع محدد من الكائنات البحرية، إلا أنني أُعطيت امتيازًا فرديًا من نوعه، وهو قدرتي على اختيار الفصيلة التي سأنتمي إليها، وهذا الاختيار بالذات أوقعني في حيرة ممضة. وتمنيت في حيرتي هذه لو أنني حُرمت من حرية الاختيار، وتحولت مجبرًا إلى أي نوع من الكائنات البحرية، مهما يكن، إذًا لاسترحت وحينئذ إما يعجبني ما أصبحت عليه وينتهي الأمر، أو لا يعجبني، فأعيش المعاناة، ثم أعتاد شيئًا فشيئًا.. وينتهي الأمر أيضًا. لكنني أقف الآن أمام متاهة الاختيار، وعلي إذًا أن أختار الشكل الأفضل، وهنا لبّ القضية. ما هو الشكل الأفضل؟ ما هي خصائصه؟ ولماذا هو الأفضل؟ وتيقنت أن ما من ناظم يمكن أن يحكم ذلك.. فالأمر نسبي يختلف من عقل إلى آخر، وقراري يجب أن يصدر من ذاتي، وبحسب قناعتي. هنا شعرت بأنني أغوص في دوامة أكبر.. فعناصر الحكم غير مستوفية شروطها في ذهني، والقرار على هذا الأساس قد لا يكون صائبًا، وقد يصل بي إلى مأساة يمكن أن تعكر صفو حياتي.. أو تحطمها.. أو ربما تنهيها.