كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم، فإن كنت صادقًا في طلب الجنة فالطريق سالكٌ أمامك، وإن كانت عباداتك الأخرى إمعانًا في التزام الإسلام، فهاك ذروة سنام الإسلام ...
ومن العوائق التي تعترض طريق طالب الشهادة ما قد يتعرض له من أذى الناس لبغضهم له وكرههم للطريق الذي سلكه، حتى إنه ليصبح متهمًا مجرمًا في أعين هؤلاء المجرمين حقًا، ولربما تمكنوا من إلحاق الأذى والضرر وبعض العذاب بطالب الشهادة، فيسقط البعض ضحية هذه الفتنة، قال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنّا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) [1] ، في حين تصمد القلة، وتحتاج هذه القلة في صمودها إلى شيء من السلوى والتسلية ليعينها على الصبر على هذا البلاء، وهنا يأتي البلسم النبوي"ويُجار من عذاب القبر"ليروِّح عن نفس طالب الشهادة ويذكره بأن هؤلاء وإن آذوه في الدنيا فإن أذاهم ليس بشيء أمام عذاب وفتنة القبر، أما هم فواقعٌ بهم لا محالة وأما هو فمجارٌ منه بفضل الله، فتحصل لنفس طالب الشهادة طمأنينةٌ عجيبة يهزأ بها بهذا الأذى التافه الذي يوقعه به أعداء الله، وتستحيل آهاتُ الألم أنفاس توحيد تعيد لطالب الشهادة ذكرى بلال: أَحدٌ أَحد، أَحدٌ أَحد ... وكيف يلتفت طالب الشهادة لشيء من هذا الأذى بعد ذاك، كيف؟
ومن العوائق التي قد توهن نفس طالب الشهادة ما يعرض له من وحشةٍ وفزغٍ في الطريق، فلربما كان وحده أو مع رفقة يسيرة، ربما ضاقت عليه الأرض وأحاطت به قوى الطاغوت، ربما انقطعت عنه أسباب الأمن، واختلج في النفس خوفُ الطبيعةِ والجِبلَّة، فكيف يعمل؟ وبمَ يأنس؟ وإلى من يركن؟ هل يعود من حيث أتى وتنتهي رحلة الشهادة بالخسران والتولي يوم الزحف، هل يهادن ويداهن طلبًا لأمن نفسه طارحًا همَّ الدعوة وراء ظهره؟ وكيف يفعل ذلك وقد بشَّره الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه في مقابل هذا الفزع العابر والهلع اليسير سيبلغ مبلغًا من الأمن في عرصات يوم القيامة، حين تضج الخلائق وتذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وفيما الناس في ذلك إذ هو يعيش بشارة النبي صلى الله عليه وسلم"ويأمن من الفزع الأكبر"، فأي فزعٍ يثنيه عن طريق الشهادة بعد هذه البشارة، وأي خوفٍ يتسرب إلى قلبه وقد أمن الفزع والخوف الحقيقي يوم القيامة؟
ومن العوائق في طريق طالب الشهادة ما قد يعتريه من ذلٍ وانكسارٍ لمفارقة الأهل والوطن والعشيرة حيث الركن والاعتزاز والمنعة، بل قد يقع أسيرًا في يد عدوه فتنكسر نفسه بذلك، وقد يعيش بعدئذٍ شريدًا
(1) سورة العنكبوت - آية 10