الصفحة 79 من 79

طريدًا لا سيما في عصور انحسار بيضة الدين، فلربما سولت له نفسه العودة من قبل خوض غمار هذا الأمر، ولربما برَّر ذلك بعدم تعريض المؤمن للمذلة والمهانة، فإذا بالدواء الشافي لهذه العلة يجتثها من القلب قبل أن يتشربها، فذلُّ الدنيا عابرٌ محتمل بل مأجور عليه إن احتسب، وكرامة الدنيا ليست بشيء في حقيقة الأمر عندما تقارن بهاتيك الخصلة العظيمة على رؤوس الأشهاد بين يدي الحق"ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها"فهبني ذاك الوقار ومرحبًا معه بذل الدنيا الفانية، ولعمري ما هو بذلٍ على الحقيقة إن كان في الله ولله، فدأب المؤمن أبدًا أن المبتلي هو الله فما يضرني أي موقع أراده الله تعالى لي في الدنيا طالما هو موقعٌ يرضيه عني، أما تاج الوقار ذاك فلا كانت الدنيا بأسرها في مقابل التتويج به ..

وقد يتجاوز البعض كثيرًا من تلك العوائق ثم يقع في مصيدة الحب الفاني؛ حب الزوجة والأهلون، كيف أغادر سرير الراحة ووطاء الدعة واللذة، كيف أغادر حضن الزوجة الدافئ وكيف أودع بسمتها الفاتنة، كيف أدعها ومن يطعمها ويسقيها ويقوم على شؤونها؟ وينسى المسكين أن مطعمها وساقيها هو الله، وينسى أن حبًا يحجبه عن الجدير بالحب الأوحد هو عدوٌ له فليحذره كما حذّر الله تعالى منه: (يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم) [1] ، نعم للزوجة حقٌ ولكن فوقه حق الله، وللزوجة حبٌ ولكنه تابع لحب الله، وفوقه وفوق كل حبٍ حبُ الله، ولمكان صعوبة الفراق ولتمكُّن الزوجة من قلب العبد جاءت السلوى وجاء الجزاء من جنس العمل، فلما تركت زوجة الدنيا لله أبدلك الله زوجات من حور الجنة، تأمل"ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين"، بل لئن كانت الزوجةُ صالحةً مُعينةً طالب الشهادة على سلوك الطريق فإن كرم الله يقضي باجتماع الشمل في الجنة إن شاء الله، قال تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) [2] ، فكيف تتخلف عن المسير لأجل متاعٍ زائل يسير، كيف؟

وقريب مما سبق عائق الأهلون والأقارب ومقاساة الغربة والبعد والشوق، وهو أمر يشق على الأقارب كما يشق على طالب الشهادة، فكان من روعة هذه الخصلة أن عوضت الطرفين جزاء صبرهما واحتسابهما، نعم عوضت الشهيد عن غربته عن أهله وعوضت الأقارب عن صبرهم على فراقه، قال صلى الله عليه وسلم:"ويُشفَّع"

(1) سورة التغابن - آية 14

(2) سورة الطور - آية 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت