الصفحة 71 من 79

ثم أخذ مشهد المعركة يتميز شيئًا فشيئًا، وأخذت معالم الطريق تتضح شيئًا فشيئًا. نعم، لقد بدأ أولئك النفر يدركون أنه لا بد من تسديد بعض أقساط الجنة؛ فكانت الأقساط من أموالهم تارة، ومن أجسادهم ولحومهم تارة، كانت من الولد والأهل تارة، ومن العشيرة والوطن تارة. قطعوا ما بينهم وبين الناس ليقيموا ما بينهم وبين الله، وطلقوا الدنيا ليخطبوا الآخرة، وأفرغوا قلوبهم من كل ما سوى الله، فتهيأت لغرسة التوحيد فيها. هُجِّروا فهاجروا، وعُذِّبوا فصابروا، استُنصروا فنصروا، واستُنفروا فنفروا، وكلما تجردوا من علائق الدنيا كلما تميزت عندهم معالم النصر، وغدت ملامح الانتصار وحقيقته أكثر وضوحًا، وأشد نورًا من ذي قبل ...

ثم كان تحول ميدان المعركة إلى السيف والرمح، وكانت بدر وما أدراك ما بدر، ولكن بريق النصر العسكري ونشوة اندحار العدو ومادته قد يخطف الأبصار أحيانًا بل قد يعميها عن بعض الحقائق، فلربما ظن المسلمون أن النصر العسكري والغلبة والظهور المادي أمرٌ لازمٌ ملازم، بل قد تزين نفسُ المرء له أنها تستحق هذا الظهور حتمًا، كيف لا وقد اجتمعت الدواعي من التزام الحق وتأييد السيف له والإثخان في العدو وكسر شوكته وشكيمته، ولكن ليس هذا هو النصر، أو قل: ليس هذا هو تمام النصر، بل كان لا بد من جولةٍ أُخرى يكتمل فيها انتصار الإسلام والمسلمين، وهكذا كانت غزوة أُحُد ...

دخل المسلمون غزوةَ أُحد، ولربما كانت نشوةُ النصر في بدر آخذةً بلب بعضهم، ولربما حسب بعضهم أنه ومنذ بدر نصرٌ بلا هزيمة وغلبةٌ بلا انكسار، ولربما توهم البعض أن مجرد التزامِ طريق الحق موجبٌ لدوام الظهور والتمكين، وعندما انقلبت موزاين المعركة وتجرد المسلمون من كل رداء خلا العبودية المطلقة لله تمحضت آنذاك معالم النصر؛ عندما كُسرت ثنية النبي بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه الشريف تمحضت معالم النصر في أمةٍ هكذا قائدها، أمة رأس الحربة فيها هو الإمام القائد أو قل الرئيس الحاكم، أمةٌ لا ينشغل حاكمها بكرسي الدنيا عن كرسي الآخرة، قائدٌ يستشير الصغير والكبير، وينزل عند رأي المخالف فيما لا يُغضب الله تعالى تطييبًا للقلوب وجبرًا للخواطر، قائدٌ يصمد حين يلتفت الناس، ويرفع لواء الحق حين يتواني عنه الناس، قائدٌ يسدد شيئًا من أقساط الجنة من لحمه ودمه حين يلوذ الناس بلحومهم ودمائهم ...

وعندما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد، وعندما قام أبو دجانة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فترَّس عليه بظهره والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك، وعندما جعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب تذود عن النبي صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت