قد ينظر الكثير منا إلى فتح مكة باعتباره مَعلم النصر لصدر الأمة الأول، وهو مَعلم انتصار عظيم وفتح من الله مبين لا ريب، ولكن هل هو حقيقة الانتصار أم ثمرته؟ وهل التمكين في الأرض هو جوهر النصر أم هو تتويج له؟ وإن لم يكن كذلك فما هي حقيقة النصر التي لا يضر معها تخلف حصول الثمرة وتأخر حفل التتويج؟
لقد سبقت فتحَ مكة معاركُ عظام وأحداث جِسام لم تكن ساحتها ميدان القتال بعد، كما لم تكن عدتها السيف والسنان بعد، وإنما كانت معركةً من نوع آخر وكان تدافعًا من نوع آخر، كانت معركة اسمها (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) [1] ، وكانت معركة اسمها:(لكم
دينكم وليَ دين) [2] ؛ ودارت رحى المعركة الأولى حول تجريد التوحيد: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلًا. رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا) [3] ، وكانت عُدة المعركة الثانية: (فلا تطع المكذبين. ودُّوا لو تدهن فيدهنون) [4] . واشتدت أتون هذه الحرب وتمحضت معها حقيقة التوحيد في قلوب أولئك النفر، فإذا بهم يتلذذون في آهاتهم، ويتنعمون في أنَّاتهم، قد أغناهم حب الله عن كل ما سواه، وشغلهم مشهد العبودية عن مشهد التسخط على الأذى فيه سبحانه وتعالى، وكانت تلك بداية معركة التحرير وأولى ملامح الانتصار ...
(1) سورة الحجر - آية 94
(2) سورة الكافرون - آية 6
(3) سورة المزمل - آية 8 - 9
(4) سورة القلم - آية 8 - 9