وبالمقابل.. نتراكض، ونتسابق خببًا وهرولة سرًا وعلانية، فرادى، وأقطارًا.. في أقصى مغاربنا وأقصى مشارقنا لنقدم أدلة الولاء، وحجج الاستكانة، وبراهين حسن النية المغفلة، لأعدائنا، وجزّارينا والحاقدين علينا، والعاملين بصراحة من أجل تدميرنا وإبادتنا، وإزالتنا نهائيًا من الحياة..!؟
نمدّ لهم أكفنا المرتعشة الصفراء، بخشوع وخنوع.. نهبهم مشاعر الإجلال، والإكبار، والإعجاب.. نفتح أمامهم أحضان العناق والحب.. ونمنحهم بسخاء ما بقي لدينا من ثقة قاصرة، وطاعة عمياء.. واستسلام رخيص..!؟
إنها لظاهرة غريبة عجيبة، لا أعتقد أن أي عبقري في الفلسفة، أو في علوم الاجتماع والنفس والسياسة ونظريات الحداثة المعاصرة.. يستطيع أن يجد لها تفسيرًا منطقيًا يتناسب مع السلوك الطبيعي لأي إنسان طبيعي..؟
.. إنها الانتحار الذاتي مع سبق القصد والإصرار..!!؟
ولو حدث.. وعاد إلى حياتنا هذه، بعض أولئك الذين كرسوا أعمارهم لخدمة هذه الأمة، وارتحلوا وهم متيقنون من قرب نهضتها القومية، ووحدتها الشاملة، وتحررها الكامل أمثال: أمين الريحاني، والمازني والعقاد، وابن باديس، ورئيف الخوري، والأرسوزي، وساطع الحصري، وشكيب أرسلان، وكثير غيرهم ممن تركوا لنا مشاعلهم الوهاجة، وفارقونا منذ عهد قريب جدًا.. لو عادوا إلينا، وشاهدونا مع هذه التناقضات المصطنعة، وهذا الانحدار المزري، واللا مبرر.. لا أتصور إلا أنهم سينتحرون -كشهداء القدس- كمدًا وغيظًا.. ويموتون مرة ثانية، وهم يرددون بخيبة لستم منا.. ولسنا منكم..!!؟
ولو عاد شهداؤنا الذين سقوا هذه الأرض الغالية بدمائهم الزكية الطاهرة.. لو عادوا بأجساهم القانية، لجاهدوا فينا، انتقامًا للشرف العربي الممزق، وما يرين حوله من إهانات، وإهمال، وضياع..!