ثالثًا: إن الإزدواجية اللغوية بين المتفرنسين الذين تخرجوا من الجزائر أو من المعاهد الأوروبية في مطلع الاستقلال، وبين المتعلمين بالعربية من خريجي معاهد تونس والمغرب، وجامعات المشرق العربي... هذه الازدواجية الأحادية اللغة، قد شكلت معضلة كبيرة، وهوة رهيبة في علاقات الاتصال، والحوار، والتفاهم، بين شرائح المثقفين الجزائريين، بل أدت أحيانًا إلى وجود نوع من التنافر التلقائي، وسوء الفهم، حيث كان المتفرنس يتخيل في المثقف بالعربية، إنسانًا رجعيًا متأخرًا يعيش مع العواطف والأحلام، والانفعالات الساذجة ويهوى الخرافات والأساطير ويتأثر بكل الغيبيات الدينية، والأخلاق المحافظة المتزمتة، وبالتالي فهو إنسان مغلق محدود الأفق، لا يصلح لأن يتعايش أو يتلاءم مع وسائل وأساليب العصر الحديثة، ولا يستطيع"مسبقًا"أن يباشر بأية مسؤولية ذات علاقة بالمعارف والعلوم المتطورة، وليس في مقدوره أن يتولى مهام إدارية تسييرية مهما كانت، ولو وظيفة بسيطة في مكتب صغير..!؟
وعلى أساس هذه الأحكام الاعتباطية الجائرة، تم نثر أغلب المثقفين بالعربية -ففي مطلع الاستقلال- بين مدارس التعليم لتدريس قواعد النحو، والدين، وبين المساجد، ومراكز الشؤون الدينية... ثم بعد ذلك جرى الحاق ممن يحملون شهادات حقوقية بأجهزة العدالة، ومؤسسات القضاء...!؟
وكان المتعلم بالعربية -في الوقت نفسه- ينظر إلى المثقف المتفرنس نظرته إلى محتكر متغطرس متكبر. جاهل بلغته الوطنية معتد عليها. بعيد عن ثقافة شعبه، وثوابته وتقاليده مرسخ لمظاهر المستعمر، مكرس لأساليبه وعلاقاته المشبوهة، متهاون في وطنيته وشعبيته، وعقيدته، وشخصيته المستقلة. وبالتالي فهو مسلوب لا يستحق أي ثقة أو احترام...!؟