وهنا أرى من الأمانة التاريخية أن أشير إلى أن كل القيادات العليا التي تعاقبت على تسيير دفة السلطة في الجزائر منذ الاستقلال حتى اليوم كانت في جملتها من الوطنيين المخلصين ومن المجاهدين الذين حملوا راية الثورة والكفاح ضد الاستعمار إلى أن استقلت البلاد.
وطبعًا.. فالشعب الجزائري حامي الثورة وراعيها لم يكن ليرضى أبدًا.. أن يتولى أمر قيادته أحد من غير الوطنيين المجاهدين، كما أنه لم يكن بمقدور أحد أن يتقدم لمنصب القيادة إذا لم يكن مؤيدًا بتاريخه الوطني النزيه.
بالفعل، لقد برزت بعض الانحرافات القيادية التسييرية بشكل ملحوظ في مطلع الثمانينيات إلا أن بؤرة الداء الخبيث كانت تكمن في انحراف بعض الإداريين من الموظفين المسيرين والمقررين والمنفذين ممن تنكروا لثقافتهم الوطنية ومعطياتها الرائدة جهلًا بها أو استلابًا وانصياعًا لثقافة المستعمر الملغومة أو لمرض آخر في نفوسهم فكانوا أكبر حجر عثرة في مسيرة أي تطور حضاري يتلاءم مع شخصية الإنسان الجزائري ويتواكب مع ماضيه العريق ويلبي مطامحه النهضوية في حاضره ومستقبله المنشود.
وبذلك حققت فرنسا في الجزائر المستقلة ما لم تكن تحلم به وهي تستعمرها.. فمثلًا بالنسبة لانتشار اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية الوطنية تمكنت الفرنسية من اكتساح أغلب الأنشطة الإدارية والاقتصادية والسياحية وجل المعاملات في المدن الكبرى بينما تقلصت وتراجعت اللغة الوطنية وكأنها لغة أجنبية غريبة.. لقد تحقق للفرنسية في ثلاثين سنة من الاستقلال ما لم تستطع تحقيق جزء بسيط منه في مدة قرن وثلاثين سنة من الهيمنة الفرنسية؟.