ولعل كل الجزائريين، والمطلعين العرب، يعرفون عملية ما يسمى في الجزائر بـ"التويزة"وكيف كانت تبرز حقيقة التآزر والتعاون والتضامن في أجمل وأروع الصور.. حيث أن أي مواطن كان إذا عزم أمره على بناء منزل، أو عزق أرض أو حرثها وزراعتها أو إحاطة بستانه بالأسوار الطوبية. أو جني الثمار، وجمع الغلال.. أو أي عمل صعب فما عليه سوى أن يخبر أهل حيه أو جيرانه بأنه عازم على إقامة"تويزة"-وهي تعني العمل الجماعي الصعب -في يوم كذا.. وإذا بالمتطوعين يهرعون إليه من كل حدب وصوب حتى من خارج حدود قريته، أو مدينته، وممن لا يعرفونه وكأن المشاركة في عمل التويزة، هو أمر واجب، وشيء مقدس فيساعدونه بجهدهم وخبرتهم، وينجزون العمل الذي كان يمكن أن يستغرق شهرًا أو أكثر، في يومين أو ثلاثة.
ومن الطريف أن المشاركين في"التويزة"يرفضون أن يأتيهم طعامهم من مكان خارج عملهم، بل يقوم بعضهم بطبخه في عين المكان، ضمن قدرة كبيرة أو عدة قدور ويتناولونه في جو من المرح، والغناء، والسعادة..
كان من النادر أن تجد جزائريًا لا يمتلك في ذاكرته حصيلة معتبرة من القصص والأشعار الشعبية الرقيقة، ومن الحكم والأمثال الشعبية الهادفة، ذلك لأنه يتلقاها من أجداده ووالديه منذ طفولته الأولى، ويستمر على سماعها واستيعابها في الشارع، وفي السوق، وحيث اتجه.
أما الشعراء الشعبيون ونطلق عليهم"أصحاب الشعر الملحون"أي غير الفصيح، فكانوا يعدون بالمئات ومع الأسف أغلبهم ضاعت أشعارهم بعد موتهم لأن أغلبهم كانوا أميين، ولم تسجل قصائدهم.. هنا أريد أن أسجل اسم واحد منهم، كان اسمه: بعطوش الإبراهيمي، وكان بدويًا وشاعرًا فحلًا، وفارسًا شجاعًا، يذكرنا بامرئ القيس، كان يلقي قصائده الفخرية والوطنية على نفس واحد، وبنبرة تثير الدهشة والإعجاب، وكانت القصيدة الواحدة من قصائده تتجاوز المئة بيت، ولكنه لم يكن ليتلعثم أو يتردد.. كانت ذاكرته جبارة.. ومات، وماتت قصائده معه..!