وعندما انطلقت الحركة الوطنية السياسية في بداية هذا القرن، كانت حصانتها الأساسية وسلاحها الأول هو الثقافة الوطنية. فأسست الجمعيات الثقافية المنبثقة عن حزب الشعب، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. والكشافة الإسلامية الجزائرية.. وافتتحت المدارس الحرة، والنوادي، وظهرت الجمعيات الرياضية الخاصة، وكذلك الجمعيات المسرحية، والفنية، والأدبية.. وكانت كل الجمعيات الوطنية، واضحة المبادئ والأهداف، حثيثة النشاط السري والعلني، وثيقة الصلة بالجماهير.. يحدوها أمل واحد، وهو النضال من أجل الوصول إلى الحرية والاستقلال.
وطيلة عهد حكم الاستعمار، كانت الصناعات الحرفية التقليدية منتشرة داخل كل أحياء المدن والأرياف والقرى والبوادي في الجزائر، وقد استطاع الشعب بواسطتها أن يستغني عن كل منتوجات الأجانب، من ألبسة وأدوات عمل وأثاث منزلي ووسائل نقل وكل ما له مساس بحاجات المواطنين حتى الكماليات منها.
وكانت الأراضي الصعبة والضيقة التابعة لأبناء الوطن، فوق قمم الجبال أو داخل بعض الواحات الصحراوية النائية، مزدهرة بزراعاتها القليلة، وأنعامها ودواجنها، حافظة لكرامة أهلها من الفلاحين، مؤمنة لهم عيش الكفاف والعفاف، لأنها كانت مدعومة بالتعاون والجهد، محصنة بكل أساليب الرعاية الثقافية الغنية بتجاربها وقيمها الإنسانية الموروثة عن الأجداد عبر عشرات القرون.