وقد قال ابن المسيب لرسول الخليفة بعد أن رغَّبه بثواب الخليفة من مال ومتاع ورهَّبه من بطشه إن لم يستجب إلى طلبه: (قد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقِسْه إلى هذه الدنيا كلِّها، فكم -رحمك الله- تكون قد قسمتَ لي من جناح البعوضة؟!)
هذه هي عزة المؤمن التي لا تلقي بالًا للدنيا كلِّها، وهكذا يفلح مَنْ وزن الأمورَ بميزان الله وليس بميزان الناس.
ولقد صدق الأديب مصطفى الرافعي إذ قال:
إنَّ المعارفَ للمعالي سُلَّمُ ... وأولو المعارفِ يجهدون لينعموا
والعلمُ زينةُ أهلِهِ بينَ الوَرَى ... سِيَّان فيه أخو الغِنى والمعدمُ
فالشمسُ تطلعُ في نهارٍ مُشرقٍ ... والبدرُ لا يخفيه ليلٌ مظلمُ
لا فخرَ في نسبٍ لمن لم يفتخرْ ... بالعلم، لولا النابُ ذَلَّ الضيغمُ
وقال إبراهيم الألبيري الأندلسي:
وَما يُغنيكَ تَشيِيدُ المَباني ... إِذا بِالجَهلِ نَفسَكَ قَد هَدَمتا
جَعَلتَ المالَ فَوقَ العِلمِ جَهلًا ... لَعَمرُكَ في القَضيَّةِ ماعَدَلتا
لَئِن رَفَعَ الغَنيُّ لِواءَ مالٍ ... لَأَنتَ لِواءَ عِلمِكَ قَد رَفَعتا
وَإِن جَلَسَ الغَنيُّ عَلى الحَشايا ... لَأَنتَ عَلى الكَواكِبِ قَد جَلَستا
وَمَهما افتَضَّ أَبكارَ الغَواني ... فَكَم بِكرٍ مِنَ الحِكَمِ افتَضَضتا
وقال أبو الأسود الدؤلي:
العِلمُ زَينٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ ... فاطلُبْ هُدِيتَ فُنُونَ العِلمِْ وَالأَدَبا
كَمْ سَيِّدٍ بَطَلٍ آبَاؤُهُ نُجُبٌ ... كَانوا الرُؤوسَ فَأَمْسَى بَعدَهُم ذَنَبَا
وَمُقرِفٍ خامِلِ الآبَاءِ ذِي أَدَبٍ ... نَال المَعَاليَ بِالآدابِ وَالرُتبَا
الْعِلْم زَيْنٌ وَذُخْرٌ لا فَنَاءَ لَهُ ... نِعْمَ القَرينُ إِذَا مَا صَاحِبٌ صَحِبَا
قَدْ يَجْمَعُ المَرْءُ مَالًا ثُمَّ يُحْرَمُهُ ... عَمَّا قَلِيلٍ فَيَلْقَى الذُّلَّ وَالْحَربَا