رأيتُ الدَّهرَ يرفع كلَّ وغدٍ ... ويخفض كلَّ ذي شيمٍ شريفهْ
كمثلِ البحر يغرق فيهِ حيٌّ ... ولا ينفكُّ تطفو فيهِ جيفهْ
وكالميزانِ يخفضُ كلَّ وافٍ ... ويرفعُ كلَّ ذي زنَةٍ خفيفهْ
وقال الآخر:
يا ذا الذي بصروف الدهر عيَّرنا ... هل عاند الدهر إلا مَنْ له خَطَرُ
أما ترى البحرَ يطفو فوقه جِيَفٌ ... ويستقرُّ بأقصى قاعه دُرَرَ
إنَّا وإنْ عبثتْ أيدي الزمان بنا ... ومسَّنا مِنْ تمادي بؤسه ضَرَرُ
ففي السماء نجومٌ ما لها عَدَدٌ ... وليسَ يُكسَفُ إلا الشمسُ والقمرُ
فكثرة المال والبنين لا تدل على رفعة صاحبه عند الله عز وجل فقد قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} ، وقال: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ، وقال: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} .
وجعل اللهُ قيمةَ الرجل بما في قلبه من التقوى إذ قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقد بيَّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله عز وجل يعطي المال والدنيا لمن يحبه الله ولمن لا يحبه، أما الدِّين فلا يعطيه الله إلا لمن أحبَّه، فقد قال: (إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ) رواه أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك.
إنَّ رفعةَ العلمِ وشرفَه هي التي جعلت الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله يرفض أن يزوج ابنته لابن الخليفة عبد الملك ويزوجها إلى الطالب النجيب في حلقة درسه ابن أبي وداعة، الذي كان فقيرًا في دنياه ولكنه غني بمولاه، لم يستجب ابن المسيب إلى كل المغريات التي عرضها عليه الخليفة بل رفضها رفضًا باتًا، لأنه يعلم أن ابنته أمانة عنده، فلن يزوجها إلا لمن يرتضي دينه وخلقه ولو كان لا يملك من الدنيا شيئًا ..