قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} ، ومن أصدق من الله قيلًا، فإخبار الله لنا عن شيء ليس كرؤيتنا له، فإن الرؤية قد تخطئ وتزيغ أما إخبار الله فلا يمكن أن يتخلف أو يختلف.
فهذا المغرور بماله، ألا يعلم ذلك (علمَ اليقين) ؟ أم أنه ينتظر أن يرى ذلك (عينَ اليقين) ثم يعرفه (حقَّ اليقين) ؟
وقال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا} ، (أي ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته علي ولكنه ابتلاء مني وامتحان له، أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إياه وأخول فيه غيره، وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفضل عنه، فذلك من هوانه علي ولكنه ابتلاء وامتحان مني له، أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق، أم يتسخط فيكون حظه السخط، فرد الله سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة، فقال لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته علي ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه سبحانه يوسع على الكافر لا لكرامته ويقتر على المؤمن لا لإهانته؛ إنما يكرم مَنْ يكرمه: بمعرفته ومحبَّته وطاعته، ويهين من يهينه: بالإعراض عنه ومعصيته) مدارج السالكين.
قال بعضهم: نعمة الله علينا فيما طواه عنا أعظم من نعمته علينا في ما بسطه لنا.
وفي بعض المناجاة: يا مَنْ مَنْعُهُ عطاء.
قال الشاعر:
يَا لائِمَ الدَّهْرِ عَلَى مَا بِنَا ... لا تَلُمِ الدَّهْرَ عَلَى غَدْرِهِ
فَالدَّهْرُ مَامُورٌ لَهُ آمِرٌ ... يَنْصَرِفُ الدَّهْرُ إِلَى أَمْرِهِ
كَمْ كَافِرٍ بِاللهِ أَمْوَالُهُ ... تَزْدَادُ أَضْعَافًا عَلَى كُفْرِهِ
ومُؤْمِنٌ لَيْسَ لَهُ دِرهَمٌ ... يَزْدَادُ إِيمَانًا عَلَى فَقْرِهِ