وقال آخر: (الدنيا إذا أقبلتْ على أحد أعارته محاسنَ غيرِه، وإذا أدبرتْ عن أحد سلبته محاسنَ نفسِه) .
وقال الشاعر:
أجَلَّكَ قومٌ حين صرتَ إلى الغِنَى ... وكلُّ غنيٍّ في العيونِ جليلُ
وليسَ الغِنَى إلَّا غنىً زيَّنَ الفَتَى ... عشيَّة يقري أو غداة يُنيلُ
قال العلم: إنَّ موازين الناس لا قيمة لها إذا لم تكن مبنية على أساس صحيح، فمجرد جمع المال لا يقرب من الله عز وجل قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} ، وقال تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} ، وقال عن أبي لهب: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} ، والوليد بن المغيرة الذي قال عن القرآن {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ، قال الله عنه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًَا. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًَا. وَبَنِينَ شُهُودًَا. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًَا} ، ثم كان جزاؤه: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} . فهل أغنى عنه ماله وولده؟
وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ} ، فمالُه جَعَلَه يستحقر الناسَ ويزدريهم فيهمز هذا ويلمز ذاك، وما تخفي صدورهم أكبر، يحسب أنه بماله قد اشترى البلاد والعباد فلم يعد لأحد قَدْر عنده، ويحسب أنَّ ماله سينجيه من كلِّ الشرور والآفات وسيخلِّده في نعيمه البائس الزائف الزائل، وهذه الآفات المدمِّرة للقوة المادية كما تكون في الأفراد تكون في الحكومات، ثم قال تعالى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ. نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ} ، فهؤلاء الذين أضلَّهم المال وأغواهم كما قال نوح عليه الصلاة والسلام: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًَا} .
وهذا الذي يحسب أنَّ ماله أخلده، ويحه أما يقرأ القرآن وهو يبيِّن بطلانَ هذه الأوهام، قال تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} ، أي: لم يقيموا ولم ينزلوا فيها، من قولهم: غنيت بالمكان إذا أقمت به، والمغاني المنازل واحدها مغنى، وغني معناه: أقام إقامة مقترنة بتنعيم عيش ويشبه أن تكون مأخوذة من الاستغناء، فكأنهم لم تسبق لهم حياة يتنعمون فيها، كما