الصفحة 8 من 30

تحدثت في المطلب الثاني أن من حق الرعية على الحاكم أن يرعى لهم حقوقهم، وينظم لهم وضع حياتهم، وأن طاعته فيما فيه مصلحة الخلق واجبة على المسلم، فمن عصى استحق العقوبة الرادعة المناسبة لتلك المخالفة.

ومن هذا المبدأ يجوز للحاكم أن يفرض من العقوبات الزاجرة لكل مخالف مستهتر، يعرض المجتمع إلى الفوضى والفساد، وهي عقوبات زاجرة تدخل تحت باب التعزير [1] ، وهي في الواقع رحمة وإن اشتملت على إنزال الأذى بالمخالف فإن الرحمة الحقيقية هي الرحمة بعامة الناس، بتأمينهم على أنفسهم وأموالهم من عبث العابثين؛ إن الرفق بهؤلاء هو عين القسوة، وإن كان ظاهره العطف، ولذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم فيما قرر من قوانين الرحمة أن من لا يرحم الناس لا يرحمه الشرع، فقال صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) [2] . وعلى هذا المعنى جاءت الآية: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [3] . وبهذا يتبين لنا أن الرأفة بالجناة - أي والمخالفين- تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، مع أن الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم رحماء فيما بينهم، فدل هذا على أنه ليس من الرحمة في شيء الرفق بالجاني [4] .

(1) التعزير: هو عقوبة غير مقدرة شرعًا، تجب - حقًا لله أو لآدمي - في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبًا. ا. هـ. ينظر: المبسوط للسرخسي 9/ 36، القليوبي على شرح المنهاج 4/ 205، العقوبة لأبي زهرة ص57.

(2) رواه البخاري في صحيحه في الأدب (باب: رحمة الناس والبهائم برقم 5667) ، ومسلم في الفضائل (باب: رحمة الصبيان والعيال برقم 5984) .

(3) سورة النور آية 2.

(4) العقوبة للشيخ محمد أبي زهرة ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت