فإذا ما تيسرت لك مطالعة مشهد العبودية هذا والتدثر بدثار التوكل والانقطاع عن الركون إلى الأسباب لزمك التحلي بدرةٍ أخرى من درر هذه الحلية ألا وهي التقوى؛ فالتقوى محراب العبودية متى انحرفت عنه اختل العمل بل ربما حبط بالكلية، والتقوى كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مخافة الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. وقد تتساءل عن مكان هذه المعالم في رحلة الطب ومعالجة الخلق، فأجيبك بأنك أيها الطبيب لا تستغني وأنت تتطلع على عورات الناس وأسرارهم عن مخافة الله ومراقبته، إذ لا يردعك عن الانحراف فيما تتطلع عليه من عورات الناس ولا عن تجاوز حد الضرورة مما لا يحل في الأصل إلا أن تبذر تربة القلب ببذور التقوى لتثمر مخافة الله، فتصونك هذه الثمرة من الانحراف والزلل والتلبس بالإثم من حيث كنت تبتغي الثواب، ثم اعلم أن الله تعالى قد أنزل في جملة ما أنزل من الوحيين نصوصًا وضوابط تصون أجساد الناس وأرواحهم، فلتكن معالجتك للناس عملًا بالتنزيل وصيانةً لأبدانهم وأرواحهم عن أسباب الهلاك المادي والمعنوي كما تضافرت عليه النصوص، ثم اعلم أن ما رضيه الله تعالى لك من منزلة ومقام في سياق المهنة هو الأصلح لنفسك، فلا تحاول أن تتسلق سلم المهنة رجاء منصب أو سمعة أو رياء، بل كن راضيًا بمكانتك ولو كانت في أعين الناس قليلة، فلربما أنك طبيبٌ مغمورٌ غير مشهور ولكنك من جنس الأشعث الأغبر التقي الخفي الذي لو أقسم على الله لأبرَّه، فليكن هذا مقام الرضا بالقليل، وهو إن كان قليلًا في أعين الناس إلا إنه ليس بذلك البتة عند الله عز وجل، وآخر معالم التقوى في هذا المقام أن تستعد ليوم الرحيل، فتعلم أن الله تعالى سائلك عن تلك العورة التي اطلعت عليها لغير ضرورة، وعن ذلك الجسد الذي لمسته لغير ضرورة، وعن ذلك السر الذي اطلعت عليه لحاجة ففضحته ولم تحفظه، وعن تلك الرخصة التي أبحتها لمريض وتلك العبادة التي ضيعتها