تذبل غرسة الإخلاص في القلب ولا يخبو نور المتابعة في الجوارح.
وننبه في هذا المقام إلى أمرٍ آخر وهو مقام عبودية التوكل الذي يغفل عنه كثير من الأطباء؛ حيث يميل الأطباء - بسبب كثرة ما اطلعوا عليه من أسباب - إلى الركون إلى ما كشفه الله تعالى لهم من علوم، وينسى البعض أو يتناسى فضل الله تعالى عليه فيما يسّره من أسباب التشخيص والعلاج والشفاء، وينسى أنه - أي الطبيب - ليس إلا سببًا من جملة الأسباب لا حول له ولا قوة ولا يملك في نفسه شفاءً ولا نفعًا ولا ضرًا، وتأمل معي كيف أن طبيب القلوب الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علَّمه ربُه وأدبه فأحسن تأديبه حيث قال تعالى حكايةً عنه صلى الله عليه وسلم:"قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا" (1) ،فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنقذ الله تعالى به المؤمنين من النار فأي شيء تحسب نفسك أيها المغرور بعلمك المفتون بمهارتك ومهنتك، أتراك قد استغنيت بيسير العلم الذي حصلت فقمت في مقام:"كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى" (2) ، ألا فلتعلم تمام العلم إذًا أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل كما جاء على لسان خليل الرحمن في مشهد تجريد الربوبية في قوله تعالى:"وإذا مرضت فهو يشفين" (3) .
(1) سورة الجن - 21
(2) سورة العلق - 6-7 ومعنى الآية أن الإنسان يحسب بما أوتيه من علم أو قوة أو مال أنه يستغني عن الله عز وجل فيؤدي به ذلك إلى الطغيان ومجاوزة الحد، والله أعلم.
(3) سورة الشعراء - 80