ولذا نقول بمطلق الثقة إن أول رداءٍ يجب أن يتدثر به الطبيب هو رداء العبودية، ولن يتحقق ذلك حتى يخلع كل رداءٍ سواه من جاهٍ ومنصبٍ ودنيا، فيدخل في هذه المهنة تعلُّمًا وممارسةً وهو يراعي تحقيق شروط التعبد من جهة، ويحرص على نقاء العمل من شوائب الحبوط من جهة أخرى، وبكلام آخر نقول إنه لا بد من استحضار صفة العبودية لله في مجال الطب بتحرير كلٍ من النية والمتابعة؛ فتكون النية خالصةً لله تعالى كما أمر:"وما أُمِروا إلا ليعبداو الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيِّمة" (1) ، وتكون المتابعة مجردةً للنبي صلى الله عليه وسلم كما أمر:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَد" (2) ، فإذا سألت عن مكان النية في مجال الطب فاعلم أنها طلب علمه والعمل بمقتضاه طلبًا لرضى المولى عز وجل فحسب، بحيث يكون كل عمل متفرعٍ عن هذا المجال خالصًا لله تعالى، تأمل معي هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله عز وجل يقول يوم القيامة:يا ابن آدم مرضتُ فلم تعُدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعُده، أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده" (3) ، وهكذا فلتكن عيادتك للمريض وعنايتك بالمريض وقيامك على شأنه عيادةً لله عز وجل، وليكن طلبك للعلم في باب الطب منصرفًا إلى تحصيل ما فيه نفع العباد طلبًا لمرضاة رب العباد، ولسوف ترى كيف ينقاد لك هذا العلم ويُسلم لك زمامه، كما قال بعض السلف - وأحسبه سفيان الثوري-: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله (4) . أما إذا سألت عن مكان متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في باب الطب أحلتك على"
(1) سورة البينة- 5
(2) صحيح مسلم - كتاب الأقضية - حديث 1718
(3) صحيح مسلم - كتاب البر والصلة - حديث 4661
(4) أي لم ينقد لهم العلم ولم يسلم زمامه لهم إلا عندما أخلصوا النية لله وجردوها من كل شائبة وهوى