إن مهنة الطبيب من أنفع المهن لا ريب، وإن فضل الله عز وجل ومنَّته على من تعلم شيئًا من علوم هذه المهنة فضلٌ عظيم، لما يترتب عليه من النفع الوفير والخير العميم للطبيب والمريض إذا ما أحسن تطويعَ هذا العلم للغاية المحمودة، ولم ينجرف في مهالكه المذمومة، ومعلومٌ أن مهنة الطب يُراد بها من حيث الوضع تطبيب الأبدان والمحافظة عليها، وقايةً مما يضر بها وعلاجًا لما يعتورها من أعراض ضارة، وعند هذا المشهد تجد الخلقَ مفترقين إلى ثلاث فرق هي طرفان وواسطة؛ أما طرف الغلو والإفراط فيذهب في سبيل خدمة البدن والمادة كل مذهب، لا يقف عند حدٍ ولا يرعوي عن الشطط المُلهي عما هو أَولى، وهذا هو مسلك الماديين من عشاق الدنيا وصرعى الهوى، لسان حالهم قوله تعالى:"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر" (1) ، وأما طرف التفريط فقومٌ اعتزلوا الدنيا وحسبوا أنهم يرتقون بالروح حين يطلقون كل أسباب المادة، فزهدوا في الحلال الطيب مما سخره الله تعالى وعزفوا عن توجيهه سبحانه وتعالى:"ألم تر أن الله سخَّر لكم ما في الأرض" (2) فأهلكوا أجسادهم بالحرمان من أسباب صلاحها، بل ربما تفننوا في إنزال صنوف العذاب والأذى بأنفسهم وهم يرتقون بالروح التي لم ولن يعوا حقيقتها ناهيك عن أسباب صلاحها وهذا مسلك الرهبنة المذمومة، وفيما بين مشهدي الإفراط والتفريط كان مشهد أهل الحق كما هو الوصف الثابت لهذه الأمة:"وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا" (3) حيث أذنت - بل حثت - الشريعة على رعاية الأبدان، ولكن دونما غفلة عن الغاية من ذلك ألا وهي حفظ القلب؛ فأنت تجد القرآن الكريم يقرر مرض البدن وينبه إلى مراعاته كما في قوله تعالى:"فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك" (4) ، ولكن الشريعة لم تقف عند حد البدن بل نبَّهت إلى
(1) سورة الجاثية - 24
(2) سورة الحج - آية 65
(3) سورة البقرة - آية 143
(4) سورة البقرة - آية 196