وإن من درر هذه الحلية أيضًا أن يحرص الطبيب المسلم على تحقيق الموازنة في تحصيل ما يحتاجه من العلوم الشرعية والعلوم الكونية في سياق مهنته الطبية، فلا يؤدي الانشغال بعلوم الشريعة الخاصة إلى العزوف عن العلوم التجريبية الضرورية لصيانة صحة المريض، كما لا يؤدي الإغراق في ما لا طائل منه والانكباب الكلي على العلوم الطبية التجريبية إلى الزهد في رصيد الهدي الشرعي العظيم في باب الطب، بل يعطي كل علمٍ حقه ويضعه موضعه دون إفراط ولا تفريط، ودون الخلط بين ما يصلح في مقام مع ما يصلح في مقامٍ آخر، وليعلم أنه مؤاخذٌ شرعًا عندما يؤدي تفريطه في ضبط علوم المهنة الخاصة إلى إلحاق الضرر بالمريض أو ربما تفويت المصلحة الأكمل له، فمنزلة الطبيب المسلم من صحة مريضه كمنزلة الوصي في مال اليتيم؛ فلا يكفيه حسن النية في حفظه بل لا بد من أن يجتهد في تحصيل أسباب حماية المال وتنميته وحفظه من الضياع.
ولما كانت مسألة المنهج العلمي بحاجة إلى تفصيل وتحرير فإني أجد من لوزام بيان هذه الحلية بيان معالم هذا المنهج بشيء من التفصيل على النحو التالي:
فصل: المنهج العلمي للطبيب المسلم (1)
(1) هذا الفصل للمؤلف ألقاه محاضرةً في جمعية طالبات الطب في كلية الطب في جامعة الإمارات بتاريخ 31 ديسمبر 2003