فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 126

الله على أن هذا الحديث يدل على ضرورة أن يكون المريض محلًا قابلًا لهذا الدواء الشرعي وأن يكون مُوقنًا به وإلا فإنه لن يجد فائدته.

والحاصل أن الشريعة وإن لم تكن موضوعة في الأصل لفن الطب، إلا أنها لما كانت موجهةً لطب القلوب ومعافاتها كان للبدن الحاوي لتلك القلوب نصيبٌ من العناية، وكان حريًا بالطبيب المسلم أن يكون ملمًا بما جاءت به الشريعة والهدي النبوي من توجيهات منثورة هنا وهناك تحفظ للأبدان عافيتها كما تحفظها للقلوب، ثم إن على الطبيب المسلم أن يُنزل هذا الهدي النبوي منزلته اللائقة، فيدرك ويوقن ارتقاءها فوق ما تأتي به التجارب والمشاهدات الحسية التي لا تخلو من خطأ أو احتماله، ولقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى كلامًا نفيسًا في هذا المعنى حيث قال:"ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطُرُقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حُذاقهم وأئمتهم" (1) ، وإن فهم هذا يسيرٌ عند من يدرك أن طب العجائز والطرقية قوامه الجهل، وأن طب الطبائعيين قائم على علم الحس والمشاهدة والتجربة الذي يتطرق إليه الاحتمال، وأن طب النبوة قائم على الوحي المعصوم فحصل من الاطمئنان إلى هديه صلى الله عليه وسلم في الطب أضعاف أضعاف ما حصل من الاطمئنان إلى طب الطبائعيين نسبة لطب العجائز، فتأمل.

ولما كان علم التجربة والمشاهدة مقتصرٌ في أوليته على ما يشهده الباحث والمجرِّب ومن ثمَّ يكون نشره قائمًا على أساس النقل، كان منهج التحري الدقيق لما يزعم نسبته إلى العلم قائمًا على تحري أمانة النقل وصحة الدليل.

(1) زاد المعاد - ابن قيم الجوزية - 37/4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت