أما المنهج العلمي للطبيب المسلم فقائمٌ على عدم إغفال جهةٍ على حساب الأخرى، فلا يؤدي إعمال دليل الحس والمشاهدة التجريبي إلى إغفال دليل النقل الشرعي،كما لا يؤدي سوءُ فهم ما وصل بطريق النقل الشرعي إلى تعطيل ما سخره الله تعالى لنا بطريق الحس والمشاهدة العقلي، بل يُنزل كلًا منهما منزلته، بلا إفراط ولا تفريط، ويجمع بين مقام:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا" (1) ، ومقام:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا" (2) ، وبهذا المنهج يدرك الطبيب المسلم الحدود التي يقف عندها العلم التجريبي فلا يُقحمه في الروحانيات والغيبيات، كما يدرك قيمة ما أظهره الله تعالى لنا من غيبيات عن طريق الوحيين - الكتاب والسنة - فلا يؤدي جهله بها إلى استهتاره واستهزائه بها والعياذ بالله، ويدرك أيضًا أن طريق التجربة مهما كان فإنه لا يرتقي إلى مصافِّ القطعيات الشرعية، فيركن مطمئنًا إلى تلك القطعيات، ويحذر من أن يؤتي من قِبل سوء الفهم، وكلما بدا له تصادم أو تناقض الشرع مع العقل اتهم عقله ولم يتهم النص الشرعي البتة اللهم إلا من جهة سوء فهمه وإنما مَردُّ ذلك إلى عقله، فكانت التهمة منصرفةً إلى العقل دومًا بلا ريب، وانظر كيف قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم فقد روى أبو سعيد أن رجلًا أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم فقال:أخي يشتكي بطنه،فقال:اسقه عسلًا. ثم أتاه الثانية ،فقال:اسقه عسلًا، ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلًا،ثم أتاه فقال قد فعلت، فقال:"صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ (3) . وفي رواية:"إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا" (4) ، فهذا موقفٌ تعارض فيه ظاهر الحس مع ظاهر الشرع، فرده النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى النص لأنه من الله ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولقد نبه ابن قيم الجوزية رحمه"
(1) سورة البقرة- آية 32
(2) سورة البقرة-آية 29
(3) صحيح البخاري - كتاب الطب - حديث 5252
(4) المرجع السابق