أما مقام الطبيب المسلم الرباني فمعراجٌ آخر وأفقٌ أسمى، إنه مقام الافتقار إلى الله عند ذروة شهود النعمة وتحققها، كما كان حال موسى عليه السلام بعد أن أفاء الله تعالى عليه من نعمائه فقال:"رب إني لما أنزلتَ إلي من خيرٍ فقير" (1) ، إنه مقام من يدرك أن الغِنى عن الشيء لا به، وأن الافتقار إلى الله عين الغنى وأن الاستغناء عنه تعالى هو عين الفقر، ولما كان العلم هبةَ الله تعالى إلى عبده كان عبده منطرحًا على عتبة الافتقار إلى الله تعالى أبدًا، لسان مقاله فيما ينكشف له من العلوم:"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" (2) ولسان حاله فيما يجري على يديه من نفعٍ وشفاءٍ وجلب مصلحةٍ لمريض ودرء مفسدةٍ عن آخَر قوله تعالى:"وما فعلته عن أمري" (3) وإنما علم من الله وتوفيق للعمل به من الله أيضًا، وهكذا يكون الطبيب عالمًا ربانيًا..
ومن درر هذه الحلية أن مقام الطبيب المسلم هو مقام مشاهدة عظمة خلق الله تعالى، لا كأولئك الصم البكم العمي الذين يمرون على آيات الله في بديع خلق الإنسان فلا تعود عليهم أنفسهم المقيتة وعقولهم السفيهة بأحسن من نسبة الصنعة إلى الطبيعة، بخلاف الطبيب الرباني الذي يتمثل قول الله تعالى:"والذين إذا ذُكّروا بآياتنا لم يخِرُّوا عليها صُمًا وعميانًا" (4) ، فإن مقام الطبيب الرباني هو مقام:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار" (5) ، ومن جملة هذا الخلق:"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" (6) ومن جملة هذا الخلق:"سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (7) ...
(1) سورة القصص - آية 24
(2) سورة البقرة - آية 32
(3) سورة الكهف - 82
(4) سورة الفرقان - آية 73
(5) سورة آل عمران - آية 191
(6) سورة الذاريات - آية 21
(7) سورة فصلت - آية 53