فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 22

الناس عن مراده، حيث يبتلى بمعاصيهم وجلفهم له، وهو مع بذله المال لهم لا يشكرونه، ومع تقربه لهم لا يحفلون به، وكم يرجو لهم الطاعة فلا يأتونها، وليسوا من أهلها، وهو يعيب عليهم ذلك وما علم أنه هو علة هذا الأمر لا هم، فإن أهل الرجل يبصرون منه مالا يبصر الناس، وينفذون إلى نفسه، فإن رأوا منه جبنًا وخيانة ونفاقًا وكذبًا، لم يسمعوا له ولم يقع لهم في قلوبهم موقع الحب والتقدير، وأما أهل البلاء فهم أسعد الناس بأبنائهم إن صبروا وتفكروا في أقدار الله لهم، وجعلوا حالهم خير واعظ لأنفسهم وأهليهم، فيكونون بالمثال والشاهد خيرًا من الكلام الكثير، وهذا الدين دين صدق، ودين قلوب، لا كلمات فقط تسمع فلا يعلم صدقها بالعمل، والله قال عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} .

وهذا من خير حكم البلاء في نفس المبتلى، وهو خير ما يورث المرء وأهله مع ما يحصل من الصيت الحسن بين الناس لهم، فإن المرء لا يورث المال لذريته لأبنائه وأهله، ولكن يورث لهم مثال الصدق والصبر واليقين، كما يورث لهم حب الناس والصيت الحسن برحمة الله وفضله، وهذه مكارم لا تشترى بالمال بل بالصبر واليقين والصدق مع الله في السر والعلن.

وإن من حِكَم البلاء وفوائده ما يحصل في القلب من معاني الحق مما يفتح الله على عبده من العلوم فهمًا من كتاب الله تعالى ومن سُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن التفكُّر في أقدار الله تعالى، وهذا من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فإن الله يفتح على عبده بالصبر على البلاء من الهدى والدين ما لم يحصله في الدرس والقراءة، وهذا من معاني الإيمان التي تحدث بها أهل البلاء فسعدوا بها ورضوها مقابلة لما يحسونه من آلام، ويؤخد هذا من قوله تعالى ليوسف - عليه السلام - عند قوله: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} فكان البلاء هو طريق هذا العلم، ولم يظهر على وجهه البين الواضح إلا في سجنه، حيث عُلِمَ بهذا الفن واشتهر فيه بين أصحابه فيه، وإن الفوائد التي ترد على قلب المبتلى لو علم بها أهل النعيم لحسودهم عليها، ولذلك كان ابن تيمية رحمه الله يقول عن سجنه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} ، وشرط حصول هذا المعنى والفائده أن لا يشتغل المرء بنفسه شاكيًا جازعًا متألمًا كما قال الله عن مثل هؤلاء: وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت