فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 22

الْجَاهِلِيَّةِ، فهؤلاء حالهم كالواقع بين الجواهر والدرر وهو مشغول بوضع أصبعه أو بدمع عينه حتى يفوته الوقت ويخرج من عالم الخير والعطاء.

فالقرآن الكريم كتاب الصبر، وبيئته الصبر والبلاء، ولا يحصل فقهه على الوجه الذي يريده الله تعالى إلا بالعيش في هذه البيئة، فتقع المعاني والعلوم على أهلها المتأهلين لها، ولذلك كان من سيرة أهل العلم في تاريخ الأُمَّة المسلمة البلاء، حتى كان قدر لازم لا ينفك عن واحد منهم، كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، ومن خلا من البلاء بالسجن كان بلاؤه بالصبر على الفقر في طلب العلم، وهي سيرة مضطردة كذلك، فالبلاء قدر الفهم عن الله تعالى، والقرآن عدّ الترف عدوًا للحق كما هو بَيّن في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} .

فبالمجاهدة في الله تعالى تحصل الهداية في للحق، ولقد احتج بهذه الآية الإمام سفيان بن عيينة - رحمه الله - في تقدمة فقه أهل الثغور على غيرهم لهذا المعنى الجليل، والمعاني القرآنية ليست مجرد ألفاظ وحروف وكلمات لكنها نور وهداية وتوفيق، فكم من قائل بالحق هو عدو له، وأبعد الناس عنه، لأن شأنه مع الحق شأن التاجر الذي يبذل الكلمات ليكسب بها، فلا يحس بمعناها ولا هدايتها فإن ابتلي بسبب الحق أحس للحق معنى، وصار له الفوز به، ولم يعد الحق مجرد كلمات يلوكها، بل معاني يبذل لها من نفسه وبدنه وماله ووقته، فحصل له بها الغنى والفرح والقرب، وتفجرت له عن معاني في القلب لم يكن يحلم بها في حال الوسع والراحة، ولهذا يحصل الفرق بين من يبذل لدين الله تعالى فيدخل عالم الشهداء، وبين من يتاجر لدين الله تعالى ويأكل منه ويقتات به، فدينه مبذول للرخيص، والأول روحه مبذولة لدينه، فشتان بين هذا وهذا، ولذلك لا تعجب غيرة الصحابة - رضي الله عنهم - وعلماء الحق على دينهم، لا يرضون أن يهان أو يذل أو ينقص، بل روحه عنده أرخص من زر قميصه حين يبذلها لدين الله تعالى وبين آخر لا يَحمَرُّ له وجه وهو يرى دين الله ينقض ويُهان، فإن نوزع في درهمه وديناره انقلب أسدًا يقاتل ويهدد، فهذا شأن الموظف الذي شأنه مع الدين شأن التاجر بالبضاعة، وهذا يتاجر بكلمات الله والانتساب للشرع، وما الدين عنده إلا مورد رزقه كموارد الرزق الأخرى عند الناس، فهؤلاء ليس عندهم للكلمات الالهية أنوار ما عند المبتلين في سبيله، ولهذا تحصل لهم الهداية القلبية بكلمات الله تعالى فوق ما يحصل لهم من معانً أخرى لا تخطر على قلب الغافلين الجاهلين، فهذان معنيان للهداية بسبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت