ارادته الغالبة على ارادات غيره من أعدائه وسواهم كما قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، فأَن يبدأ الحق قويًا في أمره لا يظهر هذا المعنى من نصر الله له، ولكن أن يكون على الوجه الذي سارت فيه سُنَن المرسلين يظهر هذا المعنى فيُنسب فضل النصر لربِّ العباد كما فصّلَ إمام المرسلين وهو داخلٌ مكّة قائلًا: (( الحمد لله الذي أَنجَزَ وعده ونَصَرَ عبده وهَزَمَ الأحزاب وحده ) ).
وإن من معاني النصر، وهو من حِكَم الابتلاء أن يتولى الله تعالى عبده المبتلى بالرزق من حيث لا يحتسب، فإن توكل على الله تعالى في بلائه رزقه الله تعالى من خزائن عطاياه ما لا يعرف ولم يحلم به، فتجده غنيًا بالعطاء الالهي، وكذلك يتولى الله تعالى له أهله بالتربيية والعناية، وهذا داخل في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} ، فهذا الميت يخشى على ذريته من بعده، فدخول المبتلى في هذا المعنى ظاهر بين، إذ يتحقق فيه المعنى والعبرة، ومن تأمل قصة يوسف - عليه السلام - رأى هذا المعنى وتبينه، إذ كانت رعاية الله تعالى ليوسف عليه السلام أعظم من رعاية أبيه له مع نبوة الأب يعقوب عليه السلام، وهذا معنى موجود في أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم نفروا للجهاد وقد تولى الله رعاية أبناهم فكانوا أئمة الهدى من بعدهم، ومن استقرأ الواقع اليوم يجد ذلك كذلك، فإن الله تعالى يكفي أهل المبتلين بكفايته وهو القائل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ، فلهم الفضل على غيرهم بالخلق والدين والكفاية التي يحبها الله تعالى لهم، وهؤلاء الأبناء أعظم الناس حبًا لأبائهم وهم في الأسر، ويتعلمون من سجنهم وصبرهم الكثير من العلم الذي يفقده غيرهم من الأبناء والأهل، ذلك لأن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى عبده جبريل أني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وهؤلاء هم أولى الناس دخولًا لحديث الولي الذي فيه: (( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )، وفيه عنه (( وكنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) )، ومن جرب تجربة المبتلين علم هذا يقينًا، ورآه بنفسه، وتلك نعمة الله تعالى يضعها حيث يشاء.
وأمّا الباحثون عن السلامة مع المداهنة، فإن السلامة هي أبعد ما تكون فيهم، فالقليل منهم من يأنس بأهله وأولاده، وهو في سعيه لجلب الخير لهم تجدهم أبعد