فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 22

وإن من حِكَم البلاء أنه يحقق معنى التأييد الالهي لأهل الحق العاملين به، فإن أهل الكفر والضلال يسعون جهدهم لإماتة الحق وإزالته، فيقتلون ويسجنون، فيصيبون مرادهم في قوم كما أصاب فرعون من السحرة الذين آمنوا، فكانوا في أول نهارهم سحرة كفرة ثم ختم يومهم أنهم شهداء بررة، وكما حصل لأهل الأخدود، ولكن هذا لم يمنع من تحقق النصر رغم أنف فرعون، حيث ربّى الله تعالى موسى - عليه السلام - في قصر فرعون، فكان في هذا الطفل هلاك فرعون كما قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ، ولقد ذكر في بعض الآثار أن فرعون كان يشتهي قتل هذا الطفل ويعلم أن فيه هلاكه، لكنه حجب بحجب الله تعالى له عنه، وهذا يقع اليوم كذلك، فإن الطواغيت ليتمنون قتل كل الموحدين من الدعاة والمجاهدين، ومن رأى ما فعلوا مع المسجونين لعلم هذا يقينًا، لكن الله تعالى يحجبهم عنه بفضله، وهو لا يدرون لماذا، وما لها من تفسير إلا حكمة الله في تأييد هؤلاء الفتية من الدعاة والمجاهدين، وكم حصل في التاريخ ماضيًا وحاضرًا أن ندم الطواغيت وعضوا أصابعهم غيظًا على من فلت من بين أيديهم، وجعلوا يقلبون أكفهم حسرة كيف منعوا من قتلهم وإبادتهم، ثم كان في هؤلاء الذين نصرهم الله هلاك هؤلاء الطواغيت أو إيلامهم أو ذهاب ملكهم، وقراءة سيرة المهديين كلها تدل على هذا المعنى حيث يعجب الناظر كيف آب هؤلاء المستضعفون إلى النصر والتمكين، وكيف استطاعوا الافلات من بين أيدي المجرمين، وهذا تمام البيان أن هؤلاء أهل الحق دون غيرهم، وأن الله ناصرهم، وحجة الله على الخلق كما تكون بالبيان في كتابه وسُنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كذلك تكون بالوقائع والأحداث والرجال كما قال تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} وكقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وكقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} ، وفهم هذا المعنى يؤدي إلى فهم سُنّة التدافع في الخلق، ولا يدرك هذا المعنى إلا المعانون لذلك من أهل البلاء، فإنهم يرون كيف يتفلت عليهم المجرمون يريدون اصطلامهم، فيحجبون عنهم ولا يدرون سر ذلك، وماله من تفسير إلا نصرة الله لهؤلاء المستضعفين، وحجب الله لهم عن مراد أعدائهم فيهم؛ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

وهذا المعنى لولا غلبة الكافرين على المؤمنين حينًا من الدهر ابتلاءً من الله لأوليائه لما حصل ووقع، وهذا من حكم الله تعالى الجليلة في البلاء حيث يظهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت