ولولا البلاء الذي يقدره الله تعالى على عبيده وأوليائه لم تكن الحجة قدرًا وشرعًا بهذا البلاغ والجلاء، والله - عز وجل - إنما يوقع الحجة بهذا الطريق كما أوقع البلاء على الصديقة مريم عليها السلام حيث قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} مع أن الملائكة سموا ما وقع معها بشرى كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} ، وبهذا البلاء في اتهامها كما قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} حصلت المحنة للخلق أجمعين في عيسى - عليه السلام -، وجعل ولادته آية كفر بها أقوام وآمن بها الصالحون، وهذا شأن البلاء مع الأولياء، فإن الناس يفترقون فيه بين مكردس في النار لفعله ولقوله واعتقاده، وبين مرتق في درجات الجنان، وهذا سر البلاء وعمومه في الخلق، فإنه لا يقع فقط على المتألم به والواقع فيه، بل تكون الحادثة ابتلاءً للخلق العالمين بها أجمعين، وبهذا يقع السؤال يوم القيامة للناس العالمين بها كما في الحديث الشريف: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ) ).
وقد رأى الناس اليوم فرق الأُمَّة مع البلاء الواقع على أهل الدين والجهاد، فشامتٌ أو جبان أو ضالٌ مائلٌ إلى الباطل، وإمّا محبٌ ساعٍ للخير، داعٍ لربِّ السموات والأرض لهم، وكل من هؤلاء ناله ما رجاه، ومن حكم القرآن في سورة [آل عمران] في حديثها عن موقعة أُحُد أنها فصّلت حال الذين ارتضوا دعوى الحكمة الكاذبة في تقريعهم للنافرين للجهاد كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وكقوله - سبحانه وتعالى - عنهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} وقوله تعالى عنهم: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} ، فكشف بالبلاء أمر المنافقين، لا بقلة صبرهم فقط كما يظن البعض في شأن البلاء، لكن البلاء محنة للناظرين إلى أهله كذلك، وبه تتم حجة الله تعالى على خلق آخرين وجلهم خبر الصابرين والمبتلين.