فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 22

تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} ، ولذلك يُجري الله تعالى من أقدار الابتلاء بين المؤمنين وأعدائهم حتى تكون الحجّة بالغة، فيقع العذاب، والعذاب كان في الأُمم السابقة على وجه الاصطلام لهم، وأمّا بعد موسى - عليه السلام - فإنه يكون بتسليط الله المؤمنين على الكافرين كما قال تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} .

فضرورة الابتلاء ولزومه مع الحق لتحصيل الحجة على الخلق في الدنيا ويوم القيامة فهؤلاء لا عذر لهم عند الله وقد سمعوا الحق من أهله، ووصلهم البلاغ فلم يكتفوا برده، بل عادوه وقاتلوه، والله يقول: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} وبزيادة الحجة يكون العذاب في الدنيا والآخرة.

والحجّة قد تقام على الإمام فيهم بالبلاغ، لكن سريان الحجة واقعًا في الجنود والأتباع لا تكون إلا بالبلاء، فقد رأى المبتلون في سبيل الله تعالى كيف أن جنود الطواغيت يشبهون أئمتهم وقادتهم، فالطاغوت يضرب بسيفهم، ويستقوي بأذرعتهم وقوتهم، ولولاهم ما كان له شأن، ولا صار له إمامة، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} ولم يحصل هذا حتى سار جنوده وراءه في عداء موسى - عليه السلام -، وهذا المعنى اليوم لا يتحقق إلا بما يعانيه الإخوة في سجون الطواغيت حيث يرون أن الجنود أسوأ من الطواغيت أنفسهم، بل إن بعضهم يحب أن يراه سيده وهو يتلذذ في إيذاء الدعاة إلى الله تعالى، وهذا لم يكن ليقع إلا بما يعيشه أهل الإسلام من البلاء والمحنة بالسجون وغيرها.

ومن فَقه هذا المعنى علم عظم درجة أهل البلاء، حيث يتخذهم الله شهداء على الخلق يوم القيامة، فيحضر الخصم والشهود، فيتحقق قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .

وبهذا تنتهي حجتهم أنهم فقط يريدون العيش والكسب بهذا الطريق، فإن من كان هذا حاله فإنه يسعى للانعتاق من هذا العمل حيث يفتح له السبيل، أو يبين له الحق، لكن هؤلاء يجرمون أكثر من إجرام أسيادهم، ويعذبون أهل الإيمان أكثر مما يطلب منهم، فأنّى لحجتهم الثبات والقبول؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت