فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 22

الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فقد جعل الله سيرة الكافرين موجبًا لقتالهم، ولذلك كان المداهنون لأعداء الله أكثر الناس اعتذارًا عنهم، يبحثون لهم عن المعاذير، ولو جربوا تجربة الدعاة إلى الحق والمجاهدين لرأوا حقيقة إجرام هؤلاء وخبثهم وخستهم، ولرأوا أن القتال هو ما يستحقون من جهة العقل كما هو ثابت من جهة الشرع، وهذا المعنى هو ما يحقق حُكم الله تعالى فيهم كما حقق سعد بن معاذ - رضي الله عنه - حُكم الله تعالى في بني قريظة، فإن هؤلاء اليهود كانوا أولياءه في الجاهلية، ويحبهم ويفديهم بنفسه، ولم يعرف قيحهم وإجرامهم حتى عايش منهم هذا الحقيقة، وتجلى هذا في غدرهم في غزوة الأحزاب، حيث خانوا المواثيق والعهود، فلما حكم عليهم بحكمه والذي هو حكم الله تعالى من فوق سبع سموات كما قال الحبيب المصطفى كان سبب هذا هو البلاء والمحنة التي أوقعوها بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبه وبالمسلمين، فكانت المحنة سببًا لكشف الخصوم على حقيقتهم، ومن جرّب سجون الطواغيت علم كفرهم على حقيقته لم يحتج إلى برهان غير ما رأى وسمع، واسأل إن شئت شابًا حقق معه أعوان الطاغوت حيث يسبون الله والرسول والقرآن، ويستهزؤون بدين الله تعالى، ولا ينقمون من المؤمن إلا أنه طاهر يعبد ربه، ولقد كنت أعرف أن كفرهم بدليل الكتاب والسُنّة ولا أشك في ذلك، لكن أن أسمع من إخواني أن أعوان الطواغيت وجنودهم يصيحون في وجوههم:"أعلُ هبل"فهذا لم أكن أتخيله ولا أتصور وقوعه، فالواقع هو الذي يشهد للحق، وهذا الواقع يكون أجلى ما يكون في المحنة والإبتلاء، ولو جرب الناس تجربة المجاهدين والدعاة إلى التوحيد والسُنّة لما احتاجوا إلى أدلة كفر المبدلين لشرع الله تعالى، حيث يسمعون منهم الإستهزاء بالله وبدينه وبرسوله، وحيث يهان القرآن ويعظم القانون أكثر منه، وحيث يصرخ المحققون سبًا لله تعالى في بلاد يزعم حكامها أنهم أهل التوحيد أو أهل النسبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فبالمحنة يبصر الدعاة والمجاهدون حقيقةَ الشرع وملائمته للواقع، وأنه هو السبيل الأقوم لعلاج الفساد الواقع في الأرض، وأن القوم هم سفلة الخلق والرجس الخسيس، ومن العجب أن هؤلاء الأنجاس الأرجاس هم من يبتسمون ويبشون في وجوه مشايخ السلطة والنفاق، وهم من يجلسون معهم يطلبون ودهم وقربهم، مع أنهم في خلواتهم مع الدعاة وهم في المحنة يكشفون ستر وجوههم فيبدون على حقائقهم من غير تزييف.

فجزى الله المِحن خيرَ الجزاء كيف تَكشف حقائق المجرمين، كما أنها تَكشف حقائق الصابرين الصادقين، ولذلك لا يحتاج هؤلاء المجاهدون والدعاة إلى الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت