فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 22

حتى يلتحق به العشرات من أهله وإخوانه وأصحابه، وهذا سرُّ هذا الدين فهو كالهواء لا يقدر أحد حبسه، وإن حبس في مكان كان في آخر أكثر، ولقد استشهد الدعاة في هذا الطريق، ولا يعلم طريق قدم أهله فيه الشهداء كهذا السبيل، ولم يسجن مثلهم إلا أن الحق ينجو ويضطرد، فإن حصدوا قليلًا كانت الشهادة ثم الله يزرع، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

فهذه حِكمة البلاء واقترانه مع هذا الدين، وكأنهما شيءٌ واحد، وكذلك مع أهله، فهذا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لم يخلُ زمانٌ له بلا ابتلاء وكانت كُلُّ محطةٍ لرفع البلاء تُحقق النصر على خصومه، حتى ماتَ وهو قرير العين وهو يرسل بُعث أسامة بن زيد إلى خارج جزيرة العرب.

فتفكّر في هذا الأمر ثم انظر إلى أولئك الواهمين الذين يظنون أنه يمكن إعادة العزة لهذا الدين، وإزالة غربته الثانية بالدعة والخمول والكسل والهروب من سبل البلاء المقدرة مع هذا الدين، حيث مالت بهم السبل في الدخول في سبيل المجرمين، وسكتوا عن الحق، وأعطوا الدنية في دينهم، فما جنوا بعد السنين الطويلة إلا الخسارة والهوان، ولم يزيدوا سوى الوقوف مكانهم دون تقدم.

يقابل ذلك هذا الجهاد المبارك الذي سعى سعيه متقلبًا في المشرق والمغرب حتى آبَ إلى الأرض المباركة، بلاد الشام، لتتحقق الوعود الإلهية بإزالة علو اليهود وفسادهم بإذن الله تعالى.

وإن من حكم البلاء في سبيل الله تعالى أن يعرف أهل الإسلام حقيقة خصومهم، فإن القرآن وأحكامه قد لا يفهمها البعض على وجهها، حيث يأمرهم بالقتل والتشريد كما قال تعالى: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} وقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} فإن هذه أوامر شرعية ربانية، وهي محتاجة في نفس العابد إلى معاني قلبية غير أنها من عند الله تعالى، أي أن يبصر العابد موجبها في الواقع، فإن لم يقع البلاء عليه من أعدائه فإنه لا يحس بهذا المعنى، فكيف يقتل العابد لربه رجلًا لا يحس خبثه وشره وفساده وكذبه وخيانته؟ فهذا شاق على النفوس، فإن رأى المؤمن حقيقة خصمه وما يصنعه معه علم بما عاش وأحس وأبصر حكمة هذه الأوامر الربانية ولذلك قال تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت