فنصر الدين لا يكون إلا بابتلاء أهله، حيث يعرفهم الناس بالصبر والثقة بالله، فجعل الله في قلوب الناس الحب لهم، ويعلمون أنهم بصبرهم هذا هم أهل الحق، ولولا ما يجدون في قلوبهم من معاني الثقة بالله والتوكل عليه، واليقين على دعوتهم وما هم عليه من الدين والحق لما ثبتوا هذا الثبات، فيقبل الناس على دين هؤلاء الصابرين فتحصل لهم الغلبة والنصر.
وهذا المعنى كذلك يصاحبه رؤية الناس تأييد الله تعالى لأهل الحق، والعواقب تدل على صلاح الطريق أو فساده، فالطريق الصحيح يوصل إلى العاقبة الصحيحة المطلوبة، والطريق الفاسد يوصل إلى معناه، ولذلك كان من أكبر الأدلة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام حصول العاقبة بالنصر والتأييد وهزيمة أعدائهم، وهذا كثير في القرآن كما قال تعالى عن آلهة المشركين: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} وقال عنهم: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} ، وأمّا من كان مع الله تعالى فإن الله تعالى يقول: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} .
فهذان أمران أولاهما: أن الإبتلاء طريق النصر وانتشار الحق وغلبته وذلك بمحبة الناس للصابرين على دينهم، وبنصر الله تعالى لهم بالغيب، ومن رام النصر والتمكين بغير طريق البلاء فهو جاهل في سُنَن الحياة وطريق الأنبياء والصالحين، فقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عما هو خير: أُيَمَكَّنُ الرجل أم يُبتلى؟ فقال: لا يُمَكَّنُ حتى يُبتلى.
ولقد رأيت في حياتي هذا المعنى واضحًا جليًا، فإن الدعوة إلى الله تعالى، وانتشار الحق بوجوب تحكيم شرع الله تعالى وتكفير الطواغيت ووجوب قتالهم لم ينتشر بين الناس كما انتشر بسبب صبر الدعاة إلى الله على الفتنة في هذا الباب، وكلما ثبت هؤلاء في المحنة كلما انتشرت دعوتهم، فحيث أراد الطغاة حبسهم لمنع اتصالهم بالناس وإيصال البلاغ لهم كان انتشار الدعوة والتحاق الناس بها، والدعوات الأخرى مع تسهيل الحكومات لهم، ودعمهم بالمال والإعلام، وفتح قنوات الإتصال لهم مع الآخرين إلا أن الحق أغلب وأبلج، فما أن يُبتلى أحد الدعاة