فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 22

وإن من حِكَم الابتلاء والامتحان حصول النصر، فإن الله تعالى لم يكتب معاني الأمور مع الدعة والترف، بل كلما كان الأمر عظيمًا كان ثمنه عظيمًا، ولم يحصل نصر لقوم على قوم إلا لصبرهم على البلاء، وتركهم الدعة والخمول والكسل، وهذا معنى مستور في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فإن من معاني هذه الآية أن الله يبتلي عباده ليخزي الفاسقين المجرمين، وقد علم أهل العلم أن الدعوة إلى الله تعالى، وانتشار الحق وغلبته كان أعظم السبل لتحقيقها هو البلاء، حيث يرفع الله درجات العلماء والمجاهدين، فيحبهم الناس ويقبلون على دينهم ودعوتهم، فالله تعالى فطر القلوب على محبة الثابتين على مبادئهم، والصابرين على دعوتهم، فإن وقع البلاء والإمتحان على قوم بسبب دينهم، فصبروا وثبتوا حصل نصرهم وثباتهم النصر على خصومهم، وقد بين القرآن الكريم في سورة الشعراء أحوال خصوم الدعوة، كيف يبدؤون بالإستهزاء والإعراض، ثم بتحدي الدعوة ومعاداتها، ثم يحصل لها النصر من الله تعالى، يقول الله تعالى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ? قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ? قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ? قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ? قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ? إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ? قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} فانظر كيف ارتقت أحوال فرعون مع موسى - عليه السلام -، حيث بدأ بقوله: {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} إنكارًا وإعراضًا عنه، ثم قال {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} وهذا استهزاءٌ به وينفر عنه بالدعاية الكاذبة، فلما لم تنفع معه هذه الوسائل لجأ إلى التهديد والوعيد فقال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} ، وحين تحصل المواجهة بعد هذا يقع النصر الذي قال الله عنه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، ومن تفكّر في صبر الإمام أحمد في محنة خلق القرآن، وكيف وقف وحيدًا فيها حيث مات رفيقه في الطريق محمد بن نوح الجنديسابوري؛ فلم يبقَ إلا هو فلم يهن ولم يتراجع لكنه ثبت وصبر، ثم كانت العاقبة له من دون الآخرين، فصار إمامًا للناس كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ، حتى جعله بعض أهل العلم قرين أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في محنة الردّة عن الإسلام بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت