فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 22

{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وهذا الأجر لم يأتِ قَط إلا للصبر والذي لا يكون بالترف والدعة ولكن بالابتلاء والامتحان.

وقد يعجز البعض عن فهم هذا المعنى وهو بلوغ المقامات وتكفير السيئات بما تكره النفوس، إذ يحب المرء العافية ويطلبها من الله تعالى كما في الحديث الصحيح: (( اللهم إني أسألك اليقين والعافية ) )، فكيف يطلب المرء العافية وهو يعلم أن الابتلاء فيه مقامات عالية في الجنة مع تكقير السيئات؟ والجواب: أن المكاره وهي سبيل الجنة كما في الحديث الصحيح لا تكون إلا بابتلاء العافية واضطرابها، فالمرء له اختيار، والله له تدبير وتقدير، وتقدير الله تعالى خير للعبد من اختيار العبد كما في قوله تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ، فالمرء يقع في البلاء لتقدير الله تعالى له، وهو خير له، وهو يطلب العافية لأنها راحة له، وهنا يقع في قلب العبد الرضى باختيار الله تعالى على اختياره، وعلى مراد الله تعالى على مراده، والمرء يتمنى الخير العظيم مع العافية التامة، وهذا جمع غير واقع في هذه الحياة الدنيا، وإنما حال العبد بين أمرين قالهما الله تعالى في كتابه: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ? إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، فهو بين يُسرٍ وعُسر، ليحصل له مقام الشاكر الصابر، والمرء لا يتمنى البلاء أبدًا بل يدعوا بالعافية، مع أن البلاء قدر لا فرار منه، ولكن إن وقع به البلاء صبر ورجى الأجر العظيم وبلوغ الدرجات التي رتبت على حاله.

والقصد أن الله تعالى إن أراد من عبد بلوغ درجة من درجات القرب وتكفير السيئات قدر له البلاء، بل إن هناك من الدرجات لا يبلغه العبد إلا بالصبرعلى الامتحان، وهذا يعرف في سُنَن الحياة، فإن السيد إن أراد رفعة لعبده وضعه في مقام الامتحان حتى يعلم حاله فيرقيه بحسب نجاحه وإتيانه بالأجر على الوجه الذي يحبه سيده، وهو شبيه بالذنب المقدر على العبد، فإن الله يقدر للولي الذنب حتى يحصل له مقام التوبة، وهو من أحب المقامات إلى الله تعالى، بل قال - صلى الله عليه وسلم: (( ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بأقوام يذنبون فيستغفرون فيغفر الله تعالى لهم ) )، وقد علم أهل العلم أن هذا كشأن المرض يعود المرء منه أحسن مما كان عليه، فالحمد لله الذي جعل البلاء سببًا لمقاصد الصالحين والأولياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت