وأجيب عنه: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [1] .
الدليل الثالث: عن أبي الدرداء عن النبي ×: «أنه أتى على امرأة مُجِحٍّ [2] على باب فسطاط، فقال: لعله يريد أن يلم بها؟ [3] فقالوا: نعم، فقال رسول الله ×: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟» [4] .
وجه الاستشهاد من الحديث: أنه بمعنى الحديثين قبله، حيث استنكر النبي × على هذا الرجل عزمه على وطء تلك الأمة الحامل من غيره، وهمَّ بلعنه لعنًا يدخل معه قبره - والعياذ بالله - وإذا دل ذلك على وجوب استبراء الأمة التي يملكها ويملك ولدها تبعًا لها، فاستبراء الزانية الحامل من غيره التي لا يملك ولدها واجبٌ من باب أولى.
الدليل الرابع: أنها إن كانت حاملًا من غيره فيحرم عليه نكاحها كسائر الحوامل، وإن لم تكن حاملًا فيجب عليه استبراؤها من باب أولى، لأن وطء الحامل لا يفضي إلى اشتباه السنب، بخلاف من تبين حملها بعد نكاحها، فإنه يحتمل أن يكون من الزاني بها، ويحتمل أن يكون من زوجها، فيفضي إلى اشتباه الأنساب، فكان بالتحريم أولى [5] .
الدليل الخامس: أنها قد تأتي بولد من الزنا فينسب إليه وليس منه، وليس للإنسان أن يستلحق ولدًا ليس منه [6] قال ابن القيم: «شرع الله تعالى الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه، وفساد الأنساب، وسقي الإنسان بمائه زرع غيره، وفي ذلك من المفاسد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة، ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه ويرون من أعظم
(1) انظر: المصدرين السابقين.
(2) المجح: بميم مضمومة، وجيم مكسورة، الحامل التي قربت ولادتها، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 14، ونيل الأوطار 7/ 109.
(3) أي: يطأها، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 14.
(4) أخرجه مسلم في «كتاب النكاح، باب تحريم وطء الحامل المسبية، حديث رقم 1441، 2/ 1065.
(5) انظر: الجامع الصغير 1/ 179، والمغني 9/ 562، والكافي لابن قدامة 3/ 311، وشرح منتهى الإرادات 2/ 660، وكشاف القناع 5/ 436، ومطالب أولي النهى 5/ 110.
(6) انظر: المغني 9/ 562، ومجموع فتاوى ابن تيمية 32/ 112.