أعلم.
الفصل الثاني
استلحاق ولد الزنا
تمهيد:
قد يزني رجل بامرأة مطاوعة له، وقد يغتصبها فتحمل من الزنا، ويقام عليه أو عليهما حد الزاني غير المحصن، وقد يزني رجل بامرأة فيستر الله عليهما، وتحمل المرأة من الزنا، فيتزوجها الزاني بها حال حملها منه على القول بجواز هذا النكاح وصحته، وقد يتزوجها بعد ولادتها، فإذا استلحق هذا الولد الذي خلق من مائه الحرام فهل يلحق به كما يلحق به ولده من النكاح، فينسب إليه، ويلزم بالإنفاق عليه، ويرثه، ويكون وليًا عليه، ويكون محرمًا لنسائه، أم لا؟ هذا ما سأبيّنه في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول
استلحاق الزاني ولده من الزنا إذا كانت أمه فراشًا لزوج أو سيد
أجمع العلماء على أن الزانية إذا كانت فراشًا لزوج أو سيد، وجاءت بولد، ولم ينفه صاحب الفراش، فإنه لا يلحق بالزاني ولو استلحقه، ولا ينسب إليه، إنما ينسب لصاحب الفراش، قال ابن عبد البر: «وأجمعت الأمة على ذلك نقلًا عن نبيها ×، وجعل رسول الله × كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقًا به على كل حال، إلا أن ينفيه بلعان على حكم اللعان ... وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان» [1] ، وقال ابن قدامة: «وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل فادعاه آخر أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش» [2] .
مستند الإجماع:
وقد استند هذا الإجماع على أحاديث صحيحة صريحة منها:
1 -ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: «كان عتبة ابن أبي وقاص عَهِد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص: إن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال: ابن أخي قد كان عَهِد إليّ فيه، فقام عبد بن زمعة فقال: أخي وابن أمة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله ×، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي كان عَهِدَ إليّ فيه، فقال
(1) التمهيد 8/ 183.
(2) المغني 9/ 123، وانظر: نحوه في الاستذكار 7/ 171، والحاوي الكبير 8/ 162، ومجموع فتاوى ابن تيمية 32/ 112 - 113، وزاد المعاد 5/ 425.