الصفحة 12 من 34

ولهذا فسر ابن كثير رحمه الله العلو في آية محمد بالعلو المادي، من كثرة العَدَد والعُدَد، فقال:"ثم قال جل وعلا لعباده المؤمنين (( فلا تهنوا ) )أي لا تضعفوا عن الأعداء وتدعوا إلى السلم، أي المهادنة والمسالمة ووضع، القتال بينكم وبين الكفار، في حال قوتكم وكثرة عَدَدكم وعُدَّتكم، ولهذا قال: (( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) )أي في حال علوكم على عدوكم."

فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة، بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك"[تفسير القرآن العظيم (4/182) "

واستدل القائلون بمشروعية الهدنة للمصلح والحاجة، بما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه عقد الهدنة مع مشركي قريش.

كما روى ذلك البراء بن عازب وغيره، قال:"لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت، صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف وقرابة، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه"

[صحيح البخاري، برقم (2552) وصحيح مسلم، (1783) و"الْجُلُبَّان"قال النووي:"والجلبان بضم الجيم، قال القاضي في المشارق: ضبطناه جُلُبَّان، بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة، قال وكذا رواه الأكثرون، وصوبه ابن قتيبة وغيره، ورواه بعضهم بإسكان اللام، وكذا ذكره الهروي وصوبه هو وثابت، ولم يذكر ثابت سواه"شرح النووي على صحيح مسلم (12/136) ]

ومعلوم أنه لا يسار إلى النسخ إلا بدليل يدل عليه، أو يحصل بين النصين تعارض لا يمكن معه الجمع بينهما، وقد أمكن الجمع هنا كما ترى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت