وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قنت لما حارب من حارب من الخوارج ، قاله ابن تيميه في الفتاوى 23/103 ، وقنت أيضا لما حارب أهلَ الشام في صفين ، قال البيهقي في كتابه معرفة السنن في فصل القنوت أن عليا قنت في حرب يدعو فأخذ أهل الكوفة ذلك عنه .
فهذا هدي الخلفاء الراشدين والصحابة المرضيين ، بل لو قال قائل انه لا يعرف لهم مخالف لكان هو عين الصواب ، وهو مذهب الناس في زمن علي بن أبي طالب وعليه أهل الكوفة تبعا له ، و أهل البصرة تبعا لأبن عباس ، وأهل الشام تبعا لمعاوية فقد روى محمد بن الحسن في الآثار عن إبراهيم النخعي بسند صحيح ، قال: إن أهل الكوفة إنما اخذوا القنوت من علي حينما حارب وأهل الشام اخذوا القنوت عن معاوية ، ذكره صاحب إعلاء السنن 6/88 ،وهو فعل الأمراء زمن انس رضي الله عنه كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلى 4/141 رقم 459 وقال: فإن قيل فقد روي عن انس انه سئل عن القنوت: أقبل الركوع أم بعده ؟ فقال: قبل الركوع ، قال ابن حزم: إنما اخبر بذلك انس رضي الله عنه عن أمراء عصره اهـ والشاهد أن فعل القنوت للنوازل من فعل أمراء عصر انس رضي الله عنه وليس خاصا بالإمام الأعظم .
وقبل ذلك هو فعل الناس زمن عمر حيث قنت عدة مرات ،وهو فعل الناس زمن أبي بكر حيث فعله فيهم ، فأي إجماع اعظم من هذا وجاء في الاستذكار 5/170 أن أبا عبدالرحمن السلمي قنت في الفجر يدعو على قطري بن الفجاءة الخارجي ( وأبو عبدالرحمن هذا مقرئ الكوفة من أولاد الصحابة اخذ القرآن عن عثمان وعلي رضي الله عنهما ، ورواه ابن أبي شيبة 2/109 رقم 7047 ، وقنت من التابعين أيضا نفر كثير ليسوا بأئمة ومساجدهم ليست بمسجد الإمام الأعظم ، وقال ابن عبدالبر في الاستذكار 5/172:( ومِن فعل الصحابة وجلة التابعين بالمدينة في لعن الكفرة في القنوت أخذ العلماء لعن الكفرة في الخطبة الثانية من الخطبة والدعاء عليهم ) . وممن نقل الإجماع الكاندهلوي في أوجز المسالك في شرح موطأ مالك 3/ 177 قال النيموي: تدل الأخبار على أن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه لم يقنتوا في الفجر إلا في النوازل ، وقال اللكنوي في كتابه التعليق الممجد 1/636 ولا نزاع بين الأمة في مشروعية القنوت ولا في مشروعيته للنازلة إنما النزاع في بقاء مشروعيته لغير النازلة ، ونقل بن عبدالبر في الاستذكار 6/202 عن يحي بن سعيد أن القنوت فعل الأئمة ، وذكر ابن أبي شيبة برقم 7006 بسنده عن ابن أبي ليلى قال: القنوت سنة ماضية ، وقال ابن تيميه في الفتاوى 23/108 أن القنوت مسنون عند النوازل وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين . وقال التهانوي في إعلاء السنن 6/96 واما دعوى نسخ القنوت في الفجر مطلقا فتردها آثار الصحابة وقنوتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أحيانا ، ونقل عن صاحب كتاب الحجة البالغة: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه إذا نابهم أمر دعوا للمسلمين وعلى الكافرين بعد الركوع أو قبله اهـ .
وبعد هذا يقال أيضا لماذا يخصص القنوت بالإمام الأعظم ومسجده مع أن اصل القنوت دعاء واستنصار ، فتكثير من يدعو من المقاصد الشرعية ، ومن أسباب قبول الدعاء لا سيما وانه قد يوجد في غير مسجد الإمام من هو اقرب للإجابة وافضل ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: وهل تنصرون إلا بضعفائكم ، بل قد يكون الإمام أو مسجده فيه من موانع قبول الدعاء ما يفوّت الهدف من القنوت وهو تحري الاستجابة ، ثم يقال ليس في تعدد مساجد القنوت ضرر في ذلك ، وليس هو مثل إقامة الحدود ونحوها التي في تعددها مفاسد ، ولذا تخصص بالإمام أو نائبه لمنع المفاسد .
ويقال أيضا: لو كان قنوت النازلة خاص لكان النبي عليه الصلاة والسلام لما قنت في قصة القراء لقال للصحابة بعد الصلاة إن هذا الدعاء خاص بالإمام أو نحو ذلك لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فلو كان هناك مخصص لبينه المصطفى المبلغ عليه الصلاة والسلام .
ومن أعجب الأمور أنكم تقولون عند النوازل: ادعوا في الخطب والمحاضرات ولا تدعوا في الصلاة إلا بإذن الإمام فتمنع الناس مما هو مشروع لهم بالإجماع ثم تحثهم على أمر آخر وإن كان جيدا ومطلوبا لكن المشروع أولى منه ، وأخشى أن يجيء وقت لا قدر الله فيقال: وأيضا الخطب والمحاضرات لا يدعى إلا بإذن الإمام ، أو انه خاص بالإمام ولا حول ولا قوة إلا بالله .
رابعا:
قلتم في المسالة الثانية:
إن القنوت للإمام الأعظم استدل به عدد من الأئمة منهم الإمام احمد على أنه إنما يقنت الإمام الأعظم في المسجد الأعظم !
ويقال لكم إن الإمام احمد له عدة روايات في المسألة ، فقد قال المرداوي في الإنصاف 2/175 لما ذكر عن احمد انه يقنت الإمام قال: وعنه يقنت نائبه بإذنه ، وعنه يقنت إمام جماعة ، وعنه كل مصل . اختاره تقي الدين ، وقال في المحرر وهل يشرع لسائر الناس ؟ على روايتين .