القاضي أبو الطيب في تعليقه والشيخ أبو نصر في تهذيبه وغيرهما بأن قوله (( ولا مطر ) )أي ولا مطر مستدام، فلعلّه انقطع في أثناء الثانية، ونقل صاحب الشامل هذا الجواب عن أصحابنا، وأجاب الماوردي بأنه كان مستظلًا بسقف ونحوه، وهذه التأويلات كلها ليست ظاهرة، والمختار ما أجاب به البيهقي"."
القول الثاني: إن الجمع المذكور كان لعذر المرض، وهو قول الإمام أحمد واختاره الإمام النووي، قال ابن قُدامة رحمه الله تعالى في المغني: (2/ 120) "وقد رُوي عن أبي عبدالله (يعني الإمام أحمد) أنه قال في حديث ابن عباس: هذا عندي رخصةٌ للمريض والمرضِع"، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: (5/ 218) "ومنهم من قال هو محمولٌ على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة، ولأن المشقة فيه أشد من المطر".
وقد اعتُرِض على هذا التأويل، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (2/ 30) "وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض، لما صلى معه إلا مَن به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه وقد صرَّح بذلك ابن عباس في روايته".
القول الثالث: إن الجمع الوارد في الحديث جمعٌ صوريٌ، بمعنى أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخل وقت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع.
وقد استحسن جماعةٌ كبيرةٌ من الأئمة هذا التأويل، منهم القرطبي وإمام الحرمين وابن الماجشون والطحاوي، ومن المتأخرين الشوكاني والشنقيطي (صاحب أضواء البيان) ، وهو من التأويلات القوية، انظر نيل الأوطار للشوكاني (3/ 216 ـ 218) وأضواء البيان للشنقيطي (1/ 341 ـ 347) ، كما أنه تأويل راوي الحديث (أبي الشعثاء) عن ابن عباس كما سبق في الرواية الثانية عند البخاري، وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره مع أنه لم يجزم به.
ومما تقدم، نجد أن جمهور الأمة لم يأخذوا بظاهر الحديث، ولم يجيزوا الجمع من غير عذر من الأعذار التي سبق تفصيلها في المذاهب. نعم؛ ذهب جماعةٌ من الأئمة إلى جواز الجمع في الحَضَر للحاجة لمَن لا يتخذه عادةً أخذًا بظاهر الحديث إذ لم يُعلَّل بمرض ولا غيره، منهم ابن سيرين من التابعين، وربيعة شيخ مالك، وأشهب من أصحاب مالك، وابن شبرمة، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي وعن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر. لكن هذا القول يُعد قولًا شاذًا مخالفًا لقول الجماهير من العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، بل نقل الإمام الترمذي رحمه الله تعالى أن هذا الحديث لم يعمل بظاهره أحدٌ من أهل العلم، فقال في أول كتابه العِلَل الملحق بالجامع الصحيح: (5/ 692) "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمولٌ به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر ".
ولو سلَّمنا الأخذ بظاهر الحديث وإباحة الجمع من غير عذر من الأعذار السابقة، فإنه إنما يكون عند الحاجة، رفعًا للحرج ودفعًا للمشقة، ولكن الواقع الآن في كثير من المساجد وجود الجمع لغير حاجة أصلًا، فأي مشقة وحرج يوجدان في حال وجود مطر قليل انقطع قبل الصلاة، أو في حال توقع المطر؟