المصلحة الراجحة قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل. لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض. وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة، فهو باطل، وإن كان فيه منفعة ـ وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق) [1] ـ صار هذا اللهو حقًا.
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض، وأكل مال بالباطل؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم، والحاجة اليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟! ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح، أباح الشرع ذلك، وقاله جمهور العلماء. كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى) [2] .
الحالة الثانية: أن يكون الشخص متخصصًا في التأمين، وهو خريج جديد، ولا يجد عملًا مناسبًا في تخصصه، حيث يجوز له عند بعض المعاصرين منهم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، أن يعمل في شركات التأمين التجاري بشرطين اثنين:
1 ـ ان يقصد بعمله فيها كسب الخبرات.
2 ـ أن يسعى للحصول على مكان مناسب وحينئذ يخرج فورًا.
الحالة الثالثة: أن يدخل في إحدى هذه الشركات وهو قادر بنفسه أو مع غيره على تحويلها إلى شركة إسلامية.
حكم العمل، أو التعامل مع شركات التأمين التعاوني المركب:
إن شركات التأمين التعاوني الموجودة في الدول الاسكندنافية، وبعض الدول الغربية الأخرى، وروسيا، مشروعة من حيث المبدأ، لأنها تقوم على أساس التعاون وليس فيها المعاوضة الحقيقية حتى يؤثر فيها الغرر المنهي عنه، وذلك لأن المشتركين يدفعون حصصهم، أو اشتراكاتهم في حساب خاص، ثم تصرف المصاريف الادارية والتعويضات من هذا الحساب، فتكون النتيجة هي أن المؤمّن هو نفس المؤمّن عليه من حيث المآل فالأموال منهم وإليهم، ولذلك صدرت قرارات من المجامع الفقهية ... بأنها مشروعة ـ كما سبق ـ.
(1) الحديث رواه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، مع عون المعبود (7/ 190) وأحمد في مسنده (4/ 146) وقد ترجم البخاري: باب اللهو بالحراب ونحوها، وروى فيه حديث أبي هريرة في لعب الحبشة بحرابهم في المسجد.
قال الحافظ في الفتح (6/ 92 - 193) : (وكأنه يشير بقوله:(ونحوها) إلى ما روى أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا (ليس من اللهو ـ أي المشروع أو المطلوب ـ إلاّ تأديب الرجل .... ) وفي رواية أبي داود (7/ 190) وغيره بلفظ (ليس من اللهو إلاّ ثلاث: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله ... )
(2) مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، طبع ونشر المملكة العربية السعودية (29/ 48 - 49)