دعاءهم أقرب إلى الإجابة، وبعضهم استسقى بالدواب والمجانين [1] ، لأن الرزق مشترك بين الكل، وبعضهم استسقى بذوي الصلاح والدين من الناس، لأنه أسرع في استجابتهم، وبعض المخلوقات كالنملة مثلًا استسقت بالاستلقاء [2] ، فكل الطرق السالفة الذكر أساليب، فلا يعدو - والحالة هذه - أن يكون تلقيح السحب واستمطارها واحدة من تلك الأساليب، أو مضافة إلى تلك الأساليب، أو طريقة من الطرق الممكنة، وان اختلفت الوسيلة تبعًا للزمان والمكان، ما دام ذلك فيه التزام بقواعد الشريعة، وعدم خروج على قواعدها العامة ومبادئها الأصلية.
رابعًا: من العقل:
إن العقل السليم يشتد توقانه لأن يعتقد أو يصدق من أن الاكتشافات العلمية أوصلت الإنسان إلى أن يتعامل مع عوالم الله العجيبة مثل السحب والغيوم، ويستسقيها أو يستمطرها على هدي من تعليمات الشريعة، طالما أنها في الأصل خلقت لمصلحة الإنسان وفائدته، بشرط أن يتنبه الأخير إلى المحددات الشرعية التي تسمح له بولوج هذا النوع من الاكتشاف والبحث في علم الله الغزير الذي سخره له، وذلك حتى لا تؤدي به تجاربه إلى خيبة أمل يجنيها على نفسه، وعلى الإنسانية جمعاء، مما يدخل في نطاق العلوم المحرمة أو المرفوض، مما سنتحدث عنه لاحقًا في مبحث الاستخدام السيء للاستمطار، كما لو زعم أحدهم أن فعله هذا كان على غير مثال سابق، أو استحداث مطر من العدم مما لم ينبه عليه القرآن الكريم ولا السنة النبوية، فالاستمطار ليس إحداث شيء من العدم، أو اختراع من غير ما مثيل من
(1) هذا في الأصح عند الحنفية والشافعية، انظر مصادر شاهد 47.
(2) روي أن سليمان عليه السلام (خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول:(اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غني عن رزقك فقال سليمان: ارجعوا، فقد سقتيم بدعوة غيركم) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين بمعناه، فذكر بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صحيح الإسناد، انظر: المجموع، 5/ 67.