الصفحة 37 من 62

تعليمات الشريعة، إنما هو اكتشاف وتجارب مؤيدة بنصوص الشريعة مع العمل الدؤوب والحث المستمر - بعد التوكل على الله - لزيادة كميات المطر أو تسريعها، ولاسيما في مثل السحب القابلة أصلًا للمطر أو التي تحتاج إلى مساعدة في زيادة كمية المطر، وذلك كالحيوان الذي يزاد في تغذيته لتزداد كميات حلبه ومراتها.

الثاني: أنواع الاستمطار وأسبابه وشروطه:

إذا عنينا بالاستمطار الاستسقاء فليس له إلا نوع واحد أو طريقة واحدة وهي الطريقة التي تحدث عنها القرآن الكريم عندما تأتي السحابة أو السحب المحملة أو المثقلة بالأمطار لتلقي بها على الأرض الجدباء الميتة - لتبعث فيها الحياة من جديد.

أما إذا عنينا بالاستمطار - بطرقه العلمية الحديثة التي تقوم على محاولات الإنسان استمطار السحب لزيادة تكثيفها وإسقاطها للماء - مما يندرج في باب الإعجاز العلمي القرآني، الذي لم يسهب الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث عنه، ولا أسهب به الفقهاء من ناحية علمية، ولم يوردوه في استدلالاتهم كما هو اليوم، وذلك لأمرين ذكرناهما سابقًا وهما:

الأول: انشغالهم بالدعوة الإسلامية ومجرياتها، مما حال بهم إلى عدم التركيز على الاكتشافات والاختراعات كما هو مشاهد اليوم، وذلك لأن طبيعة رسالتهم كانت منصبة على التوحيد

الثاني: اختلاف الزمان والمكان والأحوال التي كان عليها الأوائل، فلم يكن همهم الأول ينصب على الكواكب والفضاء بقدر ما هو منصب على العقيدة وتثبيت أركان الدولة الإسلامية، حتى إذا ما تعمق التوحيد وترسخت جذوره ومفاهيمه انطلقوا إلى المواضيع الأخرى العلمية وغير العلمية، والدليل على ما نقول معرفتهم الكبيرة بالكواكب وحركات الأنواء والسفن مما يجعلنا نقرر أن أمر الاستمطار لو تهيأت ظروفه، وطال زمانه وزمانهم لخاضوا فيه، وتمكنوا منه - فيبدو أن طرقه كثيرة لأنها تقوم أصلًا على نظريات علمية متعددة.

أما أسباب الاستمطار وشروطه فكالتالي [1] :

1.المحل والجدب.

2.الحاجة إلى شرب شفهاهم أو دوابهم ومواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في الحضر.

3.استسقاء من لم يكن في محل ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه كانوا في دون السعة، فلهم أن يستسقوا.

4.استسقاء من كان في خصب لمن كان في جدب ومحل.

5.شرط الذكورة، فلا يخرج للاستمطار النساء على المشهور عند المالكية [2] ، ومثله - على ما أرى - صعود النساء إلى طبقات الجو لاستمطار السحب، أو عملهن في المحطات الأرضية، وذلك لصعوبة الفعل من جهة، وكذلك اختلاطهن بالرجال على الأرض من جهة أخرى، مما يسبب لهن مضايقات، وهذا يدخل في نظرة الشريعة الكلية إلى مجال عمل المرأة، من باب درء المفاسد، والمحافظة على المصالح، اللهم إلا عند الضرورة، مع التأكيد على أن الضرورة يجب أن تقدر بقدرها، ويرى الحنفية والشافعية أن النساء اللاتي لا هيئات لهن يخرجن لصلاة الاستسقاء، ومثلهن الأطفال والشيوخ والعجائز [3] ، لخبر البخاري: (وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) [4] ،

(1) الخرشي، 2/ 109، ومواهب الجليل، 2/ 205، وكشاف القناع، 1/ 72 - 75.

(2) والمقصود بالنساء هنا: الشابات مخشيات الفتنة، أما غيرهن فيكره لمن ذلك ولا يحرم، انظر مواهب الجليل2/ 207، وبلغة السالك، 1/ 191، والشرح الصفير، 1/ 191.

(3) حاشية ابن عابدين، 2/ 185، ومغني المحتاج، 1/ 322 - 323، والمهذب، 1/ 130.

(4) حاشية ابن عابدين، 2/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت