فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 75

استمرت صداقتي مع ندى كسابق عهدها، وكنتُ ألحظُ من جانبها محاولات مستمرة لتنظير رؤيتها بطريقة غير مباشرة. كانت تظن أنها قادرة على إقناعي بسلامة خطها وصحة فلسفتها متناسية آلاف الوقائع التي تشدنا يوميًا إلى بحث مسؤول عن تغيير واقع أمتنا التعيس. قلتُ لها يومًا كرد على ذلك الحوار الذي كشفت فيه عن عجزها عن لعب دور ما في حياة أمتها:"هؤلاء الناس الذين يتصدون لتغيير الواقع غير مغرمين بالسجون ولا يحبون حياة المعتقلات، إنهم يحبون الحياة حبًا عميقًا وأنت تعرفين ذلك، بل إن حب الحياة ذاته هو الذي يدفعهم حثيثًا لتجميل الحياة، لجعلها مقبولة وإنسانية للجميع. الطريق طويلة وشائكة، هذه حقيقة، ولكن النضال من أجل حياة أفضل، من أجل واقع أعدل يبقى عملًا بطوليًا يجب أن نحني له الرؤوس". تبتسم ثم تعقب"أمل كانت لك خير صديق". لا أعلم لماذا انتفضتُ حينما قالت ذلك، فلقد كنتُ أحسُ بحاجة حقيقية لصداقتها، لوجودها معي، لاحظت انخطاف لوني فأردفت قائلة:"سأبقى لك صديقة ما حييت".

ـ 11 ـ

بعد انتهاء العام الدراسي عدنا سوية إلى سورية، عملتُ في إحدى الدوائر الحكومية. ورغم تنامي علاقتي بندى وقراري بالزواج منها بعد تخرجها وإدراكها ذلك بوضوح شديد، كنتُ أشعر بأنها تخفي شيئًا ما لم أعرفه إلا في أوائل الخريف قبيل سفرها إلى القاهرة عندما جاءت إلى مكتبي المستقل وهي ممتقعة وكأنها مريضة ثم قالت:

ـ لا أعرف كيف أبدأ الحديث؛ المهم أنني قررتُ عدم متابعة دراستي، هذه رغبة خطيبي ياسر، إنه رجل أعمال لا تهمه الدراسة، إني أعرف تمامًا أنك لن تفاجأ، لقد حدثتك مرارًا عن رغبتي في أن أعيش حياتي دون هموم عامة، أريد ألا أقترب من عالم الفكر المتعب أو عالم السياسة المضطرب.

لم أعلق، نظرتُ إليها بغيظ ثم نهضتُ واقفًا، وقلتُ لها بجفاف:

ـ لقد انتهى مابيننا.. أرجو لك التوفيق.

ترقرقت الدموع في عينيها ثم قالت:

ـ ومع ذلك سنبقى أصدقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت