أجبتها وأنا في ذروة الألم:
ـ ماتت ندى، هذا ما أحسه الآن.
فتحت باب الغرفة وأنا واقف كالمصلوب أحملُ صليبي الذي لا يراه أحد.
كان عليَّ بعد هذه الصدمة أن أُلملم جراح نفسي وأن أبحث عن فتاتي التي طال اشتياقي لها، وكانت سهام نجمة ليالي التعسة وزورقي في تيه بحر شرس الأمواج مجنون الرياح. شاركتني مكتبي بعد فترة قصيرة من تعيينها. سمراء طويلة القامة، أجمل مافيها عيناها السوداوان الضاحكتان، حينما تبتسم تُحسُ بأن العالم أضحى أحلى وأجمل ... وديعة بريئة تملؤك إحساسًا بالرضى والراحة. أهلها تجار كبار محافظون"نحن من عائلة كبيرة وغنية، كان جدي أول من أسس مصنعًا للنسيج في حلب، بعد التأميم فقدنا الكثير وبدأنا نخاف المستقبل، ما زالت أوضاعنا جيدة ومع ذلك قررتُ العمل، تردد أبي كثيرًا، ولكنني نجحتُ أخيرًا في إقناعه". تفاخرها بعائلتها ذكرني بعائلة هكسلي في إنكلترا، تلك العائلة ـ كالكثير من العائلات الارستقراطية في الغرب ـ أنجبت العديد من العلماء والكتاب والموسيقيين. قلتُ لها وأنا أُداري شعورًا بالتهكم الشديد:
ـ هل تتصورين أن أغنياء العالم الثالث يختلفون عن فقرائه؟ كلهم متخلفون، الفروق شكلية، صحيح أن الغنى عمومًا ًيتيح للإنسان ظروفًا مواتية لاكتساب الحضارة، ولكنه في محيط التخلف الحضاري المرعب الذي تعيشه أمتنا لعب دورًا مضللًا خادعًا.
خُطِفَ لونها وكأني أشتمها شخصيًا وزالت عن نظرتها البراءة وحل محلها جِّد مشوب بالحذر وعقبت بأسى:
ـ سامحني إذا قلتُ لك إني لم أفهم شيئًا.