أدركتُ مباشرة بأن سهام لاتختلف عن معظم البنات المتعلمات في مجتمعنا. التعليم بالنسبة لهن طريق للشهادة لا أكثر ولا أقل. ولمعالجة الفراغ الروحي الذي يعصف بهن، يلجأ قسم منهن إلى الاهتمام المبالغ بالمظهر، وقسم إلى الافتخار بما يملكن وليس بما يعملن، وقسم إلى أحلام اليقظة الكاذبة، أقل من القليل منهن يواجهن الحياة بصلابة وحزم فيدركن بأن الوعي هو الخطوة الأولى لاكتساب الإنسان ـ رجلًا أو امرأة ـ إنسانيته.
تابعتُ محاولًا شرح وجهة نظري:
ـ إن أغنياء أمتنا تصوروا أن شراء سيارة أو ركوب طائرة مثلًا يجعلهم في صف المتقدمين حضاريًا. ما أبعد ذلك عن الحقيقة. إنهم يستطيعون أن يشتروا الكثير ولكنهم لا يستطيعون فهم المناخات التي أفرزت تلك السيارة أو الطائرة، لأنهم ببساطة متخلفون حتى السمحاق. إنهم لن ينقلوا إلينا مشعل الحضارة الذي انتقل إلى الغرب، بل الأصح إنهم يحاولون تجميل التخلف بكل المكياجات الحضارية. مأساتهم الحقيقية أن مصالحهم مرتبطة بشكل عضوي بالتخلف ونتائجه. ما أريد قوله أن الافتخار بهم ليس له ما يبرره، لأنه افتخار في غير محله.
ران عليها صمت ثقيل أحسستُ معه بأن وجهة نظري هذه قد صدمتها في الصميم، لذلك قلتُ لها بعد فترة قصيرة:
ـ سامحيني يا سهام، إذا أسأتُ إليكِ. صدقًا إني لم أقصد جرح مشاعرك، أنا أحترمكِ بحق.
ردت بحماس:
ـ لم أشعر قط بأنك تهاجمني ولكنني في الحقيقة لم أسمع أحدًا يتكلم بهذه الطريقة التي تحدثت بها، عذري في ذلك أني من الجنس الآخر، لا نهتم بالسياسة أو الاقتصاد.
كانت سهام تريد أن تقول المزيد وقد شجعها إصغائي ونظراتي المتعاطفة على أن تعبر عما في نفسها بصدق وعفوية، ولكنها أحجمت، كانت حذرة وجلة، عذبني أن أكون السبب، وتمنيتُ لو أن وجهة نظري لم تؤثر عليها التأثير الذي بدا واضحًا في كل سكنة من سكناتها. إنها لم تغضب، ولم تحزن، ولكنها بدت في غاية الارتباك.
ـ 13 ـ