ـ بصراحة أُحسُّ أحيانًا بأنني غير قادرة على ذلك. حينما نجتمع سوية مع بعض الأصدقاء، وتبدأ النقاشات أشعرُ بأنني أحتضن أنبل مافي العالم من مُثل، فالعالم القادم الرائع لابد له من تضحيات، ولكنني في قرارة نفسي أحسُ بالعجز، أودُ لو أنني لم أمتلك الوعي الذي امتلكته، أودُ لو أستطيع أن أعيش كأي امرأة في هذا الوطن بلا أهداف، بلا مُثل.
ـ كيف تقولين ذلك يا ندى؟ كيف تحولين الوعي من نعمة إلى نقمة؟ وكيف ترضين وأنتِ الفتاة المثقفة أن تعيشي بلا أهداف وبلا مُثل؟ متى كانت العبودية مطلبًا والسلبية أمنية؟ أنتِ مازلتِ في بداية الطريق وتتكلمين على هذا النحو، فماذا سيكون موقفكِ بعد سنوات؟ يؤسفني أن أقول أنك عاجزة عن متابعة المشوار.
ثارت، برقت عيناها كقطة وحشية، تطايرت شظايا كلماتها في كل الاتجاهات"هكذا أنا وسأبقى هكذا، لا أحب حياة المعتقلات، أن تناضل من أجل النور يعني أن تعيش في الظلام لفترة ما قد تطول حتى نهاية العمر، أُريد أن أعيش، أريد أن أعانق الشمس، أن أتأمل تساقط أوراق الخريف، أن أسير تحت المطر، أن أستنشق نسيم الربيع، نعم أكره المعتقلات، أمقتها".
لم أجب، مرت فترة صمت طويلة قطعتها متسائلة بلهجة حانية:
ـ أحمد مابك،هل حزنت؟
تصنعتُ الابتسام ثم عقبتُ:
ـ أحزنتني رؤيتك، ومع ذلك فمن حقكِ أن تخططي حياتك بالشكل الذي تريدين، لا نملك ولا يجب أن نملك فرض مسلك معين على حياة الآخرين، يبدو أنكِ قد اخترتِ طريقك وهذا حقك.
بعد هذا الحوار لم تعد ندى تشاركنا نحن مجموعة الأصدقاء جلساتنا المنتظمة.
ـ 10 ـ