وعلىطاولة الغداء بدأتُ أنفذ إلى عالم ندى الداخلي. تتحدث بطلاقة وتحدٍ، تشعرك بأنها تقاتل شيئًا ما غامضًا في حياتها"أبي طبيب جراح، عاش في أوروبا الشرقية عشر سنوات، أمي أجنبية توفيت منذ سنوات قليلة، لم يتزوج أبي، أولاني وأختي ـ ومازال ـ الكثير من رعايته، يعيش حياته بالطول والعرض، تعلمتُ منه أن الحياة رحلة قصيرة، وعلى الرغم من أنه كان في يوم ما مناضلًا صلبًا إلا أنه قد نفض يديه من القضية ولم يعد يهتم إلا بأموره الشخصية". توقفت قليلًا ثم تابعت بهدوء فاجع"إن موت أمي ثم موت أمل علماني الكثير". لم يكن هذا اللقاء يتيمًا بل تكرر مرات عديدة، فقد تمتنت أواصر الصداقة فيما بيننا وبدأت أشعر بالحاجة الملحة لها.
كانت متدفقة بالحيوية إلى حد الغرابة، شعورها العدمي الرابض في أعماق أعماقها يدفعها دفعًا لمعانقة الحياة بطريقة مثيرة، تدخن بنهم، وتشرب المنبهات بنهم، ولا تتخلف عن رحلة من رحلات الجامعة، تقرأ وتكتب باستمرار.
وكانت تردد على مسامعي بشكل دائم"الحياة جميلة، إني أحبها بجنون". لا أنسى ذلك الحوار المتوتر الذي جرى بيننا والذي شكل انعطافًا في حياة ندى، بدأتُه قائلًا:
ـ إن الحياة جميلة فلنجعلها للجميع كذلك.
تضحك من قلبها وهي تعقب:
ـ أنتَ غير راضٍ عني، أعرف ذلك، تجدني أبحث عن خلاصي الذاتي، اهتمامي بالآخرين يأتي في المرتبة الثانية.
ـ هذا صحيح، لقد تأثرتِ بأبيكِ تأثرًا بالغًا. إنني أؤمنُ بأن التقدم الإنساني لم يأتِ اعتباطًا، إنه حصيلة جهود هؤلاء الذين يفكرون ويعملون من أجل الآخرين، فليكن لنا دور ولو متواضع.