ـ أنت مسكين يا علي، عالمنا ليس عالم قيم، إنه عالم تحكمه القوة. السلطة في عالمنا هذا طريق آمن للامتيازات المادية والمعنوية.
كنتُ، دائمًا في صف أخي، فلقد كان علي صورة عن أبي، يعلي من شأن القيم ويعادي كل ضروب النجاح القائم على العسْف والظلم،ولم يكن هذا الجانب فيه منفصلًا عن رؤية جديدة متكاملة بلورها أخي خلال معاناتنا في بيت عمي إلى جانب قراءات مستمرة جادة. لقد فتح علي عينيّ على أمور كثيرة، وبذر بذورًا ما زلت أحس بجذورها في سويداء قلبي.
كانت وجهات نظره انقلابًا كاملًا على كل ماهو سائد في حياتنا من قيم ومفاهيم، وكنتُ أحس إلى جانبه، رغم أنه أصغر مني سنًا، بالأمن والأمان، وحينما قرر حامد أن يتزوجني، سألته رأيه، فقال: إنها حياتك يا سارة، ومن حقك أن تتصرفي بالطريقة التي تريحك. ثقي بأنني سأبقى إلى جانبك أبد الحياة وسأدافع عن قرارك المستقل، هذا عهد لن أخونه مهما كانت الظروف. تزوجت بعد تخرجي من كلية الطب مباشرة. لم يدم الزواج سوى شهر واحد. فلقد مات حامد في حادث سيارة كان يقودها بسرعة جنونية.
ـ 3 ـ
الدكتور رامي
بعد وفاة زوجي بفترة، انتقلتُ أنا وأخي إلى هذه المدينة البعيدة عن قريتنا، والتحقت بمستشفى الشرق حيث قابلته لأول مرة. كان عائدًا من الولايات المتحدة بعد غياب طويل. متوسط القامة جميل القسمات حيوي الحركة. لم يستطع بداية أن يخلف انطباعًا مؤثرًا عليّ، بقي مجرد زميل. وحينما تزوج بعد التحاقه بالمستشفى هنأته ببرود يوازي فتور العلاقة بيننا، إلا أن هذا الفتور لم يطل. بدأ يخطب ودي ويحاول أن يقتنص الفرص للتقرب مني، لم أمانع. حدثني عن بؤس حياته الزوجية التي لم يمضِ عليها سوى شهور معدودة وعن سوء الفهم المستحكم بينه وبين زوجته.
كان الدكتور رامي، كما اتضح لي بعد سنوات، خدعة كبيرة. يصب كل ذكائه في تغيير صورته الحقيقية أمام الآخرين. لا أنسى حديثه في بداية علاقتنا عن زوجته وعن الثقافة: