فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 75

في ذلك الجو المقيت كانت العودة إلى طفولتي المبكرة عزاء لا مثيل له. كان أبي رقيق المشاعر رحيمًا بنا جميعًا ومحبًا للآخرين أيضًا. كان موضع ثقة القرية كلها، يحتكمون إليه في خلافاتهم ويطلبون منه المساعدة في حل مشاكلهم ويعتبرونه رجلًا حكيمًا نظيف اللسان والضمير. حينما مات، شاهدتُ بأم عيني دموعهم الغزيرة وقسماتهم التي تشي بالتأثر العميق. وكانت أمي كريمة تعتبر أهل القرية أسرة واحدة. أذكر بوضوح أنه في موسم التين والعنب كانت في كل قطفة تحمل منهما إلى المحرومين الحصة نفسها التي نحصل عليها نحن أصحاب الكرم، وحينما نعترض نحنُ على حصتنا القليلة تردد:

"الناس لبعضهم البعض، وتينة مثل تينتين، والواحد ما بياخد من الدنيا إلا السمعة الطيبة".

توالت السنوات وأصبحت صبية ـ في تلك الفترة وجدت في الانكباب على الدراسة مهربًا من إحساسي بالغربة وقسوة الجو العائلي المحيط. كان من عاداتي في أيام الربيع وحتى بدايات الصيف أن أحمل كتابًا وأتجه إلى حقول القرية الخضراء التي ماتزال محفورة في قاع الذاكرة، حقول واسعة يتسلل وسطها نهران صغيران يحملان الخير على مدار السنة. كان حامد يلحقني أحيانًا، يغازلني ويعدني بالزواج في المستقبل القريب. كانت مشاعري نحوه مزيجًا من الحب والعطف يخالطهما رغبات بدأتُ أحسُ بها دفاقة حارة عنيفة خاصة عندما يلفني بذراعيه القويتين ويشبعني لثمًا وضمًا. ورغم انتقالي مع أخي إلى مدينة قريبة لمتابعة الدراسة الجامعية، استمرت علاقتي العاطفية بحامد التي كان يباركها عمي علنًا. كان حامد طموحًا في مجال محدد: الحصول على القوة والجاه، وبالفعل فقد تبوأ خلال سنوات قليلة مركزًا مرموقًا مكنه من اكتساب سلطات واسعة وأصبح مرهوب الجانب وتحت إمرته إمكانات واسعة، وحينما كان أخي يناقشه في مدى مشروعية هذا النجاح، ينبري حامد قائلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت